إِنَّ مَثَلَ عِيسىٰ -أي صفة نشء عيسى، عِنْدَ اَللّٰهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرٰابٍ -الضمير يعود على آدم، و وقع الشبه في خلقه من غير أب، - أي صفة نشئه (-عيسى) ، صفة نشء آدم، إلا أن آدم خلقه من تراب، ثم قال له: كن! ثم إن عيسى، على ما قيل، لم يلبث في بطن أمه لبث البنين المعتاد، لأنه أسرع إليه التكوين، لما أراد اللّٰه أن يجعله آية (للناس) ، و يرد به على الطبيعيين حيث حكموا على الطبيعة بما أعطتهم من العادة، لا بما تقتضيه مما أودع اللّٰه فيها من الأسرار و التكوينات العجيبة. و لقد أنصف بعض حذاق هذا الشأن الطبيعة فقال: "لا نعلم منها إلا ما أعطتنا خاصة، و فيها ما لا نعلم".
(الإنسان في الأرض نظير العقل في السماء)
فهذا قد ذكرنا ابتداء الجسوم الانسانية، و أنها أربعة أجسام، مختلفة النشء كما قررنا، و أنه (أعنى الإنسان) آخر المولدات. فهو نظير العقل، و به ارتبط. لأن الوجود دائرة، فكان ابتداء الدائرة وجود العقل الأول، الذي ورد في الخبر أنه: "أول ما خلق اللّٰه العقل"، فهو أول الأجناس، و انتهى الخلق إلى الجنس الإنساني. فكملت الدائرة، و اتصل الإنسان بالعقل، كما يتصل آخر الدائرة بأولها، فكانت دائرة.
و ما بين طرفى الدائرة جميع ما خلق اللّٰه من أجناس العالم، بين العقل الأول، الذي هو القلم أيضا، و بين الإنسان الذي هو الموجود الآخر.
و لما كانت الخطوط الخارجة من النقطة، التي في وسط الدائرة، إلى المحيط الذي وجد عنها، تخرج على السواء لكل جزء من المحيط: كذلك نسبة الحق-تعالى! -إلى جميع الموجودات (هي) نسبة واحدة، فلا يقع هناك تغيير البتة. و كانت الأشياء كلها ناظرة إليه و قابلة منه ما يهبها، (ك) نظر أجزاء المحيط إلى النقطة.