فلما تغشاها (آدم) ، و ألقى الماء في الرحم، و دار بتلك النطفة من الماء دم الحيض الذي كتبه اللّٰه على النساء، -تكون في ذلك الجسم جسم ثالث على غير ما تكون منه جسم آدم و جسم حواء. فهذا هو الجسم الثالث.
فتولاه اللّٰه بالنشء في الرحم حالا بعد حال: بالانتقال من ماء، إلى نطفة،
إلى علقة، إلى مضغة، إلى عظم، ثم كسا (اللّٰه) العظم لحما. فلما أتم (اللّٰه) نشأته الحيوانية، أنشاه خلقا آخر: فنفخ فيه الروح الإنساني فَتَبٰارَكَ اَللّٰهُ أَحْسَنُ اَلْخٰالِقِينَ ! و لو لا طول الأمر لبينا تكوينه (أي تكوين الإنسان) في الرحم حالا بعد حال، و من يتولى ذلك من الملائكة، الموكلين بإنشاء الصور في الأرحام إلى حين الخروج؟ و لكن كان الغرض الأعلام بان الأجسام الانسانية، و إن كانت واحدة في الحد و الحقيقة و الصورة الحسية و المعنوية، فان أسباب تأليفها مختلفة، لئلا يتخيل أن ذلك لذات السبب-تعالى اللّٰه! -بل ذلك راجع إلى فاعل مختار، يفعل ما يشاء، كيف يشاء، من غير تحجير و لا قصور على أمر دون أمر، لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ! اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ .
(تكوين جسم عيسى)
و لما قال أهل الطبيعة: إن ماء المرأة لا يتكون منه شيء، و إن الجنين الكائن في الرحم إنما هو من ماء الرجل، -لذلك جعلنا تكوين جسم عيسى تكوينا آخر، و إن كان تدبيره في الرحم تدبير أجسام البنين. فان كان (تكوين جسم عيسى) من ماء المرأة"إذ تمثل لها الروح بشرا سويا"، أو كان عن نفخ بغير ماء، -فعلى كل وجه، هو (أعنى جسم عيسى) جسم رابع، مغاير في النشء غيره من أجسام النوع. و لذلك قال-تعالى! -: