فاما ملائكة التسخير فولايتهم-أعنى نصرتهم-للمؤمنين إذا أذنبوا، و توجهت عليهم أسماء الانتقام الإلهية، و توجهت في مقابلة تلك الأسماء، أسماء الغفران و العفو و التجاوز عن السيئات، -فتقول الملائكة ما قال اللّٰه تعالى: وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا بقولهم: رَبَّنٰا! وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً -ما يزيدون على ذلك في حق المؤمن العاصي، غير التائب، اتكالا منهم على علم اللّٰه بما قصدوه في ذلك الكلام، أدبا مع اللّٰه -سبحانه-. حيث إنه استحق جناب اللّٰه، على أهل اللّٰه، أن يغار من أجله،
و يدعى على من عصاه و لم يقم بامره، و ما ينبغي لجلاله. فان الملائكة أهل أدب مع اللّٰه، فقالوا: رَبَّنٰا! وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً -بقولك:
وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ . -و هؤلاء العصاة من الداخلين في عموم لفظه"كل"و"علما"من قوله: أَحٰاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً .
(استغفار عيسى و الملائكة في حق المذنبين)
فهذا مثل قول العبد الصالح، الذي أخبرنا اللّٰه بقوله: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبٰادُكَ، وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ -فتأدب مع اللّٰه في هذا القول، لما عصى قومه اللّٰه تعالى و لم يتوبوا.
فعلم اللّٰه منه أنه تأدب مع اللّٰه، و أنه عرض بالمغفرة لما علم أن"رحمته سبقت غضبه". غير أن نفس الملائكة أقوى في الأدب، لأنهم أعلم بالله من هذ