(الدواء العامي و الدواء الملكي)
و اعلم أن اللّٰه تعالى ما خلق داءا إلا و خلق له دواءا. و الأدوية على نوعين: دواء العامة و هو الذي يقدر عليه كل أحد، و الدواء الآخر دواء ملكى و هو الذي لا يقدر عليه إلا الملوك و الأغنياء لنفاسته و غلو ثمنه، فلا يقدر
عليه إلا المتمكن من المال و السلطان. و هكذا قسموا الأدوية أهل الطب، و صادفوا الحق في ذلك. -فاما الدواء العام النافع، الداخل تحت قدرة كل أحد، من غنى و فقير و سوقة و ملوك، من داء جميع الذنوب و المعاصي، -فهو التوبة، و إرضاء الخصوم من شروطها، مما يقدر (التائب) عليه من ذلك و عينه عليه الشارع، إذا كان ذلك الداء مما ينبغي أن يرضى فيه الخصوم. و إذا كان مما لا ينبغي فيتوب و لا يرضى خصمه، فإنه إن أرضاه قد يقع في محظور أشد مما كان قد تاب عنه. -فلا يغفل عن هذا!
(الدواء الملكي لا يستعمله إلا العارفون)
و أما الدواء الملكي فلا يستعمله إلا العارفون، السادة من رجال اللّٰه. و هم الذين يكون"الحق سمعهم و بصرهم و لسانهم". و هو قوله-(تعالى-) عقيب قوله: وَ لاٰ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً : أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ -هذا خطاب عام، ثم قال: وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ -هذا هو الدواء! و معناه: اتخذوه (-سبحانه-) وقاية بينكم و بين هذه الأمور المذمومة التي الغيبة منها. فإذا اتخذتموه (-تعالى-) جنة تعاورت هذه الجنة سهام هذه الأفعال، و هي قوية لا تنفذها هذه السهام، فيكون المتقى بها في حمايتها. -و لا يكون الحق وقاية للعبد حتى يتلبس به العبد، كما يتلبس
المتوقي بالجنن، من الدرع الحصينة و غيرها. و صورة تلبسه أن"يكون الحق سمعه و لسانه و جميع قواه و جوارحه"، في حال تصرفها فيما هي له. فيكون (العبد ثمة) نورا كله!