(الزاهد و المخلط)
و الزاهد لا يشتهي و يشتهي، فان النعم له خلقت، فهو يراها حجبا موضوعة، فينفر منها فلا يشتهيها، و هي تشتهيه لعلمها بأنها خلقت له.
فيتناولها الزاهد جودا منه عليها و إيثارا، إذا كان صاحب مقام. -و المخلط الكاذب، الذي يعصى اللّٰه بنعمه، يشتهي و لا يشتهي. فيشتهي لغلبة الطبع عليه، و لا يشتهي لأن النعم إنما تشتهي من تراه يقوم بحقها: و هو شكر المنعم على ما أنعم اللّٰه به عليه.
(الشهوة إرادة طبيعية مقيدة)
ثم اعلم أن الشهوة إرادة طبيعية مقيدة، و الإرادة صفة إلهية، روحانية، طبيعية، متعلقها لا يزال معدوما، و هي أعم تعلقا من الشهوة. فان كل حقيقة منها تتعلق بالمناسب، و المناسب ما يشركها في الأصل، فلا تتعلق الشهوة إلا بنيل أمر طبيعى. فان وجد الإنسان ميلا إلى غير أمر طبيعى: كميله إلى إدراك المعاني و الأرواح العلوية، و الكمال، و رؤية الحق و العلم به، فلا يخلو عند هذا الميل إما يميل إلى ذلك كله طريق الالتذاذ عن تخيل صورى، فذلك تعلق الشهوة و ميلها لأجل الصورة. فان الخيال إذا جسد ما ليس بجسد، فذلك من فعل الطبيعة. -و إن تعلق ذلك
الميل بغير هذا التخيل الحاصل، بل يبقى المعاني و الأرواح و الكمال على حاله من التجرد عن التقييد و ضبط الخيال له بالتخيل: فذلك ميل الإرادة، لا ميل الشهوة. لأن الشهوة لا مدخل لها في المعاني المجردة