و كلامنا إنما هو مع أهل الطريق. و لا بد من تمحيص
هذا التعميم الذي وجده (السالك) في ثانى حال من صحبتهم. كما-يمحص نفسه صاحب السماع المقيد بالنغمات، إذا أرسله مطلقا بعد تحصيله ابتداء من المقيد بالنغمات. فهو أصل معلول! فلا يعتمد من هذه حالته على سماعه المطلق، المكتسب في ثانى حال: فان ذلك تلبيس النفس حتى لا يترك السماع المقيد.
(عيون العارفين في قلوبهم: يرون ما تجهله من نفسك)
و الإنسان إذا أنصف لربه من نفسه، و لنفسه من نفسه، عرف حاله.
بل كان أعرف بحاله من غيره إلا من العارفين بالله، فإنهم أعرف به من نفسه. لأن العارفين لهم أعين في قلوبهم، فتحتها لهم المعرفة، يرون به
منك ما تجهله أنت من نفسك، لأنه ليست لك تلك"العين". -و لهذا قال الجنيد: "العارف من ينطق عن سرك و أنت ساكت"-و السكوت عدم الكلام. فمعناه (أن العارف) يعرف منك ما لا تعرفه أنت من نفسك: كالخفى من سوء المزاج يعرفه الطبيب منك إذا نظر إليك، و لا تعرفه أنت. و هؤلاء (أعنى العرفاء) أطباء النفوس.