و قد قيل: إن للورع حكما في الأسرار و الأرواح. و ليس ذلك بصحيح في الورع المشروع. فان الشبهة في المعاني و المعاني و المعارف و الأسرار مستحيلة عند العارفين. و إنما تكون الشبهات في العلوم النظرية، الحاصلة بالأدلة العقلية، فأولئك يجب عليهم الورع في النظر الفكرى حتى يخلصوه من النظر المحرم، كالنظر في الذات الإلهية، و يخلصوه من الشبهة، كالنظر لله أو للسمعة. فيخفى على بعض النفوس ذلك
لشرف العلم، فيتخيل (الناظر في العلم الإلهي) أنه يطلبه لله، و هو (في الحقيقة) يطلبه للدنيا أو لغير اللّٰه، فيجتنب نية ذلك الطلب، و لا يجتنب العلم، فان طلب العلم ليس بمحرم عليه، فمتعلق التحريم (هو) تلك النية الفاسدة.
(الكون كله شبهة فإنك لا تعرف منه إلا أنت)
و هنا نظر. هل تقدح تلك النية في فضل طلب العلم، أو يبقى طلب العلم على فضله يعطى حقيقة سعادته في الآخرة، و تكون العقوبة على مجرد النية في ذلك، و هو الذي نعتمد عليه في باب تحقيق"الموازنة الإلهية"؟ فمن قال: الكون كله شبهة-و به نقول-فليس ذلك كما يتوهم السامع، و إنما"الصورة الرحمانية"أدتنا إلى هذا القول، و مثل ذلك لا يتورع فيه و لا يجتنب. فإنك لا تعرف منه (أي من الكون أو من اللّٰه) إلا أنت، فان انتقلت عنك فقد جهلت ذاتك و من أوجدك، فإنه
(-ع-) قال: "من عرف نفسه عرف ربه". -فالورع في هذه الشبهة (-شبهة النظر في الكون أو في النفس) محال، بل ينبغي أن تتناول من حيث إنها شبهة: فذلك محلها-أي الذي يحلها-فإنها لا تخلص لأحد الطرفين أبدا. و هذا بحر هلك فيه أكثر العقول و أكثر العارفين، إلا من رحم اللّٰه و ركب سفينة نوح نجاته!
(الورع اجتناب كل عمل و ترك لا يكون لله على الحد المشروع)
و الجامع لباب الورع (هو) أن تجتنب في ظاهرك و باطنك و جميع أعمال أعضائك المكلفة كل عمل و ترك لا يكون لله على الحد المشروع فيه، المخلص له، الذي لا شبهة تضره و لا تقدح فيه. فهذا "اللام"التي في"لله"هي الرابطة لهذا الباب. -و كل مقام في طريق اللّٰه تعالى فهو مكتسب ثابت، و كل حال فهو موهوب، غير