و لهذا ليس شيء منه (أي من الجماد) في الإنسان جملة واحدة، فان جميع ما في الإنسان يقبل النمو، و هو للنبات، كما أن الحيوان له التصرف في الجهات. فكلما فارق موجود المعدن التبس
بصورة الدعوى بحقيقته، فهي منازعة خفية لا يشعر بها كل عالم. و قد نبه على بعض ذلك سهل (التستري) و ما وفى الأمر فيها ما هو عليه، فلا أدرى هل علم و اكتفى بما ذكر، أو ما أطلعه اللّٰه في ذلك الوقت على أكثر مما ذكر؟ و اللّٰه أعلم! فاختاره اللّٰه يمينا.
(اختيار القلب من الإنسان)
و أما اختياره (-تعالى-) من الإنسان القلب-و هو الذي وسعه-فلأنه (-تعالى-) "كل يوم في شأن". و اليوم قدر نفس المتنفس في"الزمان الفرد"، و به سمى قلبا لتقلبه. أ لا تراه"بين إصبعى الرحمن"-فما يقلبه إلا الرحمن، ليس لغيره من الأسماء معه فيه دخول. و لا يعطى الاسم الرحمن إلا ما في حقيقته. فرحمته (-تعالى-) "وسعت كل شيء"-فما من أمر نراه في
تقلبه، مما يؤدى إلى عناء و عذاب و شقاء، إلا و فيه رحمة خفية لأنه بأصابع الرحمن تقلب: فان (الرحمن) بها أقامه، و إن (الرحمن) بها أزاغه عن تلك الإقامة. فهو ميل إضافى. فمال القلب إلى الرحمة بحكم سلطان هذا الاسم الذي قلبه في الزيغ كما قلبه في الإقامة. فهي بشرى من اللّٰه لعباده: "يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم"-و ما ذكر سرفا من سرف، فعم جميع حالات المسرفين في السرف، -"لا تقنطوا من رحمة اللّٰه"-فان الذي أزاغكم إصبع الرحمن، -"إن اللّٰه يغفر الذنوب جميعا"-و هو خبر لا يدخله النسخ. -فنجمع بين قوله (-تعالى-) هذا و بين قوله: "إن اللّٰه لا يغفر أن يشرك به"-فيؤاخذ (الحق) على الشرك ما شاء اللّٰه، ثم يحكم عليه إصبع الرحمن، فيئول (حال
المشرك) إلى الرحمة. و أمور أخر من الزيغ مما دون الشرك تغفر، منها ما يغفر بعد العقوبة و هم أهل الكبائر الذين يخرجون من النار بالشفاعة بعد ما رجعوا حمما، مع كونهم ليسوا بمشركين، و الايمان بذلك واجب، و منها ما يغفر ابتداء من غير عقوبة. -فلا بد من المال إلى الرحمة.
(اختيار الاجتماع من الأكوان)