فتغشاها، فلا يستطيع أحد أن ينعتها. فان النعت للأشياء تقييد و تمييز، و الأعمال تختلف، و لها مراتب، و أنوارها على قدر مراتبها:
فعال و أعلى، و مضيء و أضوأ. و نعت العالي يناقض الأعلى، و نعت المضيء يقابل الأضوأ من حيث ما هو أضوأ. فلا تتقيد (أنوار الأعمال) بنعت لأنك، إن قيدتها بنعت أبطله لك نقيضه، فما وفيتها حقها في النعتية. إذ لم تكن أنوار الأعمال على درجة واحدة-و قد غشيتها هذه الأنوار و غطتها-فلا يقدر أحد يصل إلى نعتها. فهم و إن استظلوا بها فقد كسوها من ملابس الأنوار ما فضلت به جميع الأشجار. و هي (أي "السدرة") طعام و غاسول، و نبقها كالقلال، منه ترزق أرواح الشهداء.
(اختيار"البيت المعمور")
و أما اختياره (-تعالى-) "البيت المعمور"فلأنه مخصوص بعمارة ملائكة يخلقون كل يوم من قطرات ماء"نهر الحياة" الواقعة من انتفاض"الروح الأمين"عند ما ينغمس في"نهر الحياة"، فان له في كل يوم غمسة فيه لأجل خلق هؤلاء الملائكة، عمرة"البيت المعمور". و هم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لا يعودون إليه أبدا، و بقي"السر"في المكان الذي يعمرونه، هؤلاء الملائكة. و ما ثم خلاء، و العالم كله قد ملأ الخلاء، فابحث عليه! فإنه علم جليل يوقفك على علم استحالات الأعيان في الأعيان، و تقلب الخلق في الأطوار:
فتعلم"أن اللّٰه على كل شيء قدير"-لا على ما ليس بشيء،
فان لا شيء لا يقبل الشيئية، إذ لو قبلها ما كانت حقيقته لا شيء، و لا يخرج معلوم (-موجود) عن حقيقته. فلا شيء محكوم عليه بانه لا شيء أبدا! و ما هو شيء فمحكوم عليه أنه لا شيء أبدا! .
(اختيار"الحجر الأسود")
و أما اختياره (-تعالى-) "الحجر الأسود"فلأنه أنزله ليقيمه مقام"يمينه"في"البيعة الإلهية". إذ لم يكن في المعارف و العبادات أعظم ملازمة لما عرف و لما تعبد به من الجمادات، فإنها فطرت على المعرفة و العبادة المحضة التي عجزت عنها حقيقة النبات و الحيوان.