(اختيار الشريعة المنزلة على النواميس الحكمية)
و أما اختياره الشريعة المنزلة فلما لها من عموم التعلق بالدار الآخرة و مصالح الدنيا. و ليست النواميس الحكمية، الموضوعة لمصالح الدنيا و بقاء الخير في عالم الدنيا، لها حكم التحكم على اللّٰه بالقرب الإلهي و قبول الأعمال و رفع الدرجات و إثبات الجنات و دار الشفاء.
لا يستقل بذلك كله إلا الشرع المنزل من عند اللّٰه. -و أما الذين ابتدعوا عبادات"و رعوها حق رعايتها ابتغاء رضوان اللّٰه"، مما لم يكتبها اللّٰه عليهم، فهم أصحاب شرع منزل من عند اللّٰه، فسنوا فيه سننا حسنة، مناسبة لما سنه المشرع بالشرع المنزل فيهم، و أباح لهم أن يسنوا. و أما النواميس الحكمية فما هي هذه التي سنها هؤلاء، و لهذا جعل لهم الأجر.
(اختيار الحركة المستقيمة)
و أما اختياره الحركة المستقيمة، فإنه (-تعالى-) "على صراط مستقيم"-كما قال عن نفسه. و اختص بها الإنسان الذي خلقه اللّٰه"على صورة الحق"، و فيها يحشر السعيد يوم القيامة. فهي له دنيا و آخرة. فان المجرمين يحشرون منكوسين-و هي الحركة المنكوسة-كما قال تعالى في حق المجرمين: "و لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم". -و الحركة المعوجة الأفقية للبهائم. فلم تصح الحركة المستقيمة إلا لمن"خلقه اللّٰه على الصورة"-و ذلك (هو) الإنسان الكامل الذي له هذه الصفة في الدنيا و الآخرة، و لهذا خص (اللّٰه) بها (. . .) آدم لأنه من أهل السعادة التي تبقى عليه هذه الحركة المستقيمة، و لهذا نعته بالخلافة.
(اختيار الشمس)
و أما اختياره الشمس فلما لها من الأمداد في جميع الكواكب المستنيرة، علوا و سفلا. و لهذا قال إبراهيم-ع-: "هذا أكبر! "و اختصت (الشمس) على المذهبين (الفلكي و الغيبى) بالقلب من الكرة (السماوية، الفلكية و الروحية) و هي السماء الرابعة و فيها إدريس-ع-، و اللّٰه قد ذكر أنه"رفعه مكانا عليا"-فعلو هذا المكان من كونه قلب الأفلاك. فهو مكان عال بالمكانة، و ما فوقه و إن كان دونه، فهو أعلى بالمسافة و بنسبته إلى رؤوسنا. و هو الذي أحدث الليل و النهار بطلوعه و غروبه، الذي جعل اللّٰه لهما"الغشيان"-و هو النكاح-و الإيلاج لظهور أعيان المولدات، و ما يحدث اللّٰه في الليل و النهار من المخلوقات عن هذا الإيلاج و الغشيان.