و أما السنن التي هي الشرائع المستحسنة بعد رسول اللّٰه-ص-فهو"الاستحسان"عند الفقهاء الذي قال فيه الشافعي- رحمه اللّٰه-: "من استحسن فقد شرع"-فأخذها الفقهاء منه على جهة الذم. و هو-رضى اللّٰه عنه-نطق بحقيقة مشروعة لم تفهم عنه. فإنه كان من الأربعة الأوتاد، و كان قيامه بعلم الشرع حجبه عن أهل زمانه و من بعده. -روينا عن بعض الصالحين أنه لقى الخضر فقال له: "ما تقول في الشافعي؟ "-فقال: "هو من الأوتاد"-فقال: "فما تقول في
أحمد بن حنبل؟ "-قال: "رجل صديق! "-قال: "فما تقول في بشر الحافى؟ "-قال: "ما ترك بعده مثله! "فهذه شهادة الخضر في الشافعي-رحمه اللّٰه-.
(الشرع أباح"البدعة الحسنة")
و لما صح عند الشافعي أن النبي-ص-قال: "من سن سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها و من سن سنة سيئة (. . .) "- الحديث، فلا شك أن الشرع قد أباح له أن يسن سنة حسنة، و هي من جملة ما ورث (العلماء) من الأنبياء. و هي حسنة، أي يستحسنها الحق منه و هو سنها. فمن استحسن-أي من سن سنة حسنة-فقد شرع.
و يا عجبا من عدم فهم الناس كلام الشافعي في هذا و هم يثبتون حكم المجتهد و إن أخطا في نفس الأمر، و قد أقره الشارع، و هو حكم
شرعي مقبول، لا يحل لأحد من الحكام رده، و قواعد الشرع و أصوله تحفظه. و (ذلك) كالمصالح المرسلة في مذهب مالك.
(الاختيارات الإلهية في الموجودات، و اختيارات الأكياس في المشروعات)