فصل بل وصل أسرار أصول أحكام الشرع
﴿(تابع الباب الثامن و الثمانين) ﴾
(سر أصل الأخذ بالكتاب)
و أما أسرار أصول أحكام الشرع، المتفق عليها و المختلف فيها، فان"سر الكتاب"هو ما يكون من اللّٰه للعبد بترك الوسائط، كما قال (تعالى) : كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمٰانَ -فهم كتاب اللّٰه! و هو قول الشارع: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"و قوله: "استفت قلبك و إن أفتاك المفتون". -و الكتابة (هي) ضم المعاني الإلهية بما يليق بجلاله (-تعالى-) من نسبة الأسماء الحسنى إليه، إلى المعاني التي لنا من التخلق بتلك الأسماء-أي بمعانيها-أو تكون أخلاقا لنا، لا تخلقا،
و هي نسبتها إلينا على ما يليق بنا. فهو (-تعالى-) "الرءوف الرحيم" و قد قال في رسوله-ص-: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ -و هذا مدح. و سمى (تعالى) نفسه ب"العزيز الكريم"و قد قال في بعض عباده: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ -و هو ذم. و كلها "أسماء اللّٰه".
و أسماء الخلق و مدلولاتها معقولة المعنى بآثارها فيمن تسمى بها و إن كانت نسبها مختلفة، فنسبتها إلى اللّٰه لا تشبه نسبتها إلى العبد فإنه (-تعالى-) "ليس كمثله شيء". و إن كان آثار الكريم أن يعطى، فقد وجد العطاء من اللّٰه و من العبد على جهة الانعام، فان انضم المعنى إلى المعنى من وجه، فقد افترقا من وجه: لأن الموصوف المسمى
(الأول) لا يشبه الموصوف المسمى الآخر. فمن الوجه الذي يقع الاشتراك-و هو الأثر-من ذلك الوجه يكون كتابة: لأن الكتابة (هي) الضم. و بضم الحروف بعضها إلى بعض، سميت (الكتابة) كتابة، و الكتيبة (هي) ضم الخيل بفرسانها، بعضها إلى بعض، فلو جاءوا متفرقين وحدانا ما سموا كتيبة.