الفتوحات المكية

رقم السفر من 37 : [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7]
[8] [9] [10] [11] [12] [13] [14]

الصفحة 198 - من السفر 13 وفق مخطوطة قونية (المقابل في الطبعة الميمنية)

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  
futmak.com - الفتوحات المكية - الصفحة 1420 - من السفر 13 من مخطوطة قونية

الصفحة 198 - من السفر 13
(وفق مخطوطة قونية)

فتقوى اللّٰه حق تقاته هو رؤية المتقى التقوى منه (-تعالى-) و هو (أي المتقى) بمعزل عنها، ما عدا نسبة التكليف فإنه لا ينعزل (المتقى) عنها، لما تقتضيه من سوء الأدب مع اللّٰه.

  فحال المتقى اللّٰه حق تقاته كحال من شكر اللّٰه حق الشكر. و قد تقدم معنى ذلك. -و هذه الآية من أصعب آية مرت على الصحابة. و تخيلوا أن اللّٰه خفف عن عباده باية الاستطاعة في التقوى. و ما علموا أنهم انتقلوا إلى الأشد! و كنا نقول بما قالوه! و لكن اللّٰه لما فسر مراده ب‍"الحقية"في أمثال هذا، هان علينا الأمر في ذلك، و علمنا أن تقوى اللّٰه بالاستطاعة أعظم في التكليف. فإنه عزيز أن يبذل الإنسان في عمله جهد استطاعته، لا بد من فضلة يبقيها. و في"حق تقاته"ليس كذلك. و (من جهة أخرى) علمنا أن اللّٰه أثبت العبد في الاستطاعة، فلا ينبغي أن ننفيه عن الموضع الذي أثبته الحق فيه، فان ذلك منازعة لله. و"في حق تقاته" أثبت (اللّٰه) له النظر إليه في تقواه، و هو أهون عليه. -فما كان شديد

  عندهم (-الصحابة) ، كان في نفس الأمر أهون، و عند من فهم عن اللّٰه، و ما كان هينا عندهم (-الصحابة) ، كان في نفس الأمر شديدا، و عند من فهم عن اللّٰه. -جعلنا اللّٰه ممن فهم عنه خطابه"فأتاه رحمة من عنده"-و هو ما أعطاه من الفهم، "و علمه من لدنه علما"-فلم يكله إلى عنديته و لا إلى نفسه، بل تولى تعليمه ليريحه لما هو عليه من الضعف! -

(حال التبري، و حال الدعوى)

و لو لا أن العبد ادعى الاستطاعة في الأفعال و الاستقلال بها، ما أنزل اللّٰه تكليفا قط و لا شريعة. و لهذا جعل (تعالى) حظ المؤمن من هذه الدعوى أن يقول: "و إياك نستعين! "و قال (تعالى) في

  حقنا و حق أمثالنا، ممن تبرأ من الأفعال الظاهر وجودها منه، قولوا:

"لا حول و لا قوة إلا بالله العلى العظيم! "-عن أن يشارك فيها. فهي له (-تعالى-) خالصة. فكم (من فرق) بين الحالين: بين التبري و الدعوى! فالمدعى مطالب بالبرهان على دعواه، و المتبرى غير مطالب بذلك. و لا تقل: "إن التبري دعوى"-فان التبري لا يبقى شيئا، و على ذلك ينطلق اسم"المتبرى". و نحن نتكلم في الأمر المحقق، فان كتابنا هذا، بل كلامنا كله، مبناه في الكلام على الأمور بما هي عليه في أنفسها. و التبري صفة إلهية سلبية. و العبد حقيته سلب. و الدعوى صفة إلهية ثبوتية لا تنبغي إلا اللّٰه-عز و جل-. و العبد إذا أنصف لم يزاحم اللّٰه فيها، و يقول: "لا حول و لا قوة إلا بالله! "و مهما قال: "و إياك نستعين"فإنما يقولها تاليا، لا حقيقة. فله ما نوى، و هو بحيث علم.

   و لو لا ما ظهر العبد بالدعوى ما قيل له: "اتقوا اللّٰه ما استطعتم"-بالقوة التي جعلتها فيكم بين"الضعفين"فمن تنبه على أن قوته مجعولة و أنها لمن جعلها لم يدع فيها، بل هي أمانة عنده لا يملكها. و الإنسان لا يكون غنيا إلا بما يملكه. و الأمانة عارية لا تملك، مامور من هي عنده بردها إلى أهلها. و هو قوله: "لا حول و لا قوة إلا بالله"-أي القوة قائمة بالله، لا بنا. -فالمدعون في القوة يجعلون"ما"من قوله (-تعالى-) : "ما استطعتم"- مصدرية، و أهل التبري يجعلونها للنفي في الآية. فنفى (الحق) ، عندهم، الاستطاعة في التقوى، و أثبتها (الحق) عند من جعلها مصدرية.



  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  
  الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

ترقيم الصفحات موافق لمخطوطة قونية (من 37 سفر) بخط الشيخ محي الدين ابن العربي - العمل جار على إكمال هذه النسخة.
(المقابل في الطبعة الميمنية)

 


يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!