فلست معه في خلوة! "و من هنا تعرف (معنى) قوله-تعالى- (في الحديث القدسي) : "أنا جليس من ذكرني"-فإنه لا يذكره حتى يحضر (الذاكر) المذكور في نفسه: إن كان المذكور ذا صورة في اعتقاده، أحضره (الذاكر) في خياله، و إن كان (المذكور) من غير عالم الصور أو لا صورة له، أحضرته القوة الذاكرة، فان القوة الذاكرة من الإنسان تضبط المعاني و القوة المتخيلة تضبط المثل التي أعطتها الحواس، أو ما تركبه القوة المصورة من الأشكال الغريبة التي استفادت جزئياتها من الحس، لا بد من ذلك! ليس لها تصرف إلا به.
(الذكر الخيالى، و الذكر المعنوي الذي هو ذكر القلب)
فمن شرط الخلوة في هذا الطريق"الذكر النفسي"، لا الذكر اللفظي. فأول خلوته"الذكر الخيالى". و هو تصور لفظة "الذكر"من كونه مركبا من حروف رقمية أو لفظية، يمسكها الخيال سمع
أو رؤية، فيذكر بها من غير أن يرتقى (صاحب الخلوة) إلى"الذكر المعنوي"الذي لا صورة له، و هو"ذكر القلب". و من"الذكر القلبي" ينقدح له المطلوب و (تنقدح له) الزيادة من العلوم. و بذلك العلم الذي انقدح له يعرف ما المراد بصور المثل إذا أقيمت له، و أنشاها الحس في خياله في نوم و يقظة و غيبة و فناء. فيعلم (حينئذ) ما رأى. و هو"علم التعبير للرؤيا".
(مقاصد الخلوة عند أهل الخلوة)
و منهم من يأخذ الخلوة لصفاء الفكر ليكون صحيح النظر فيما يطلبه من العلم. و هذا لا يكون إلا للذين يأخذون العلم من أفكارهم، فهم يتخذون الخلوات لتصحيح ما يطلبونه إذا ظهر لهم بالموازين المنطقية. و هو ميزان لطيف أدنى هواء يحركه فيخرجه عن
الاستقامة. فيتخذون الخلوات و يسدون مجارى الأهواء، لئلا تؤثر في "الميزان"حركة تفسد عليهم صحة المطلوب. و مثل هذه الخلوة لا يدخلها أهل اللّٰه، و إنما لهم الخلوة بالذكر، ليس للفكر عليهم سلطان و لا له فيهم أثر. و أي صاحب خلوة استنكحه الفكر في خلوته فليخرج! و (ل) يعلم أنه لا يراد لها، و أنه ليس من أهل العلم الإلهي الصحيح، إذ لو أراده اللّٰه لعلم الفيض الإلهي لحال بينه و بين الفكر.