فأول شيء ملأ"الهباء"و هو جوهر مظلم ملأ"الخلاء"بذاته. ثم تجلى له الحق باسمه"النور"، فانصبغ به ذلك الجوهر و زال عنه حكم
الظلمة-و هو العدم-فاتصف بالوجود، فظهر لنفسه بذلك النور المنصبغ به. و كان ظهوره به على صورة الإنسان، و بهذا تسميه أهل اللّٰه "الإنسان الكبير"و تسمى مختصره الإنسان الصغير لأنه موجود أودع اللّٰه فيه حقائق العالم الكبير كلها، فخرج (الإنسان) على صورة العالم مع صغر جرمه، و (خرج) العالم على صورة الحق. فالإنسان على"صورة الحق"و هو قوله (-ع-) : "إن اللّٰه خلق آدم على صورته". -و لما كان الأمر على ما قررناه، لذلك قال تعالى: لَخَلْقُ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ اَلنّٰاسِ وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَ اَلنّٰاسِ لاٰ يَعْلَمُونَ -لكن يعلم ذلك قليل من الناس.
(الإنسان عالم صغير و العالم إنسان كبير و الإنسان الكامل هو الوجيز)
فالإنسان عالم صغير، و العالم إنسان كبير. ثم انفتحت في
العالم صور الأشكال من الأفلاك و العناصر و المولدات. فكان الإنسان آخر مولد في العالم، أوجده اللّٰه جامعا لحقائق العالم كله و جعله "خليفة فيه"، فأعطاه قوة كل صورة موجودة في العالم. فذلك الجوهر الهبائي المنصبغ بالنور هو"البسيط"، و ظهور صور العالم فيه هو "الوسيط"، و الإنسان الكامل هو"الوجيز". -قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيٰاتِنٰا فِي اَلْآفٰاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ -ليعلموا أن الإنسان عالم وجيز من العالم، يحوى على الآيات التي في العالم.
(أول ما يكشف لصاحب الخلوة"آيات العالم"قبل"آيات نفسه")
فأول ما يكشف لصاحب الخلوة"آيات العالم"قبل"آيات نفسه"-لأن العالم قبله، كما قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيٰاتِنٰا فِي اَلْآفٰاقِ