(لسان الحقيقة في فعل الرسول)
و كان خباب بن الأرت و بلال و غيرهم من الأعبد و الفقراء، لما تكبر كبراء قريش و أهل الجاهلية عن أن يجمعهم عند رسول اللّٰه مجلس واحد. و أجابهم إلى ذلك رسول اللّٰه-ص-. فيقول لسان الظاهر: إن النبي-ص-كان يفعل لهم ذلك ليتالفهم على الإسلام، لأن واحدا منهم كان إذا أسلم أسلم لإسلامه بشر كثير لكونه مطاعا في قومه. -و يترجم عن هذا المقام لسان الحقيقة أن النبي لم يشاهد سوى الحق، فحينما يرى الصفة التي لا تنبغي إلا لله عظمها، و لم يشهد معها سواها، و قام لها، و وفاها حقها: و هي العزة و الكبرياء و الغنى. فقال له ربه: أَمّٰا مَنِ اِسْتَغْنىٰ -فنبهه ببنية
"الاستفعال"، - فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّٰى -و قد علم اللّٰه لمن تصدى محمد-ص-. يقول (اللّٰه) له: "و إن كنت تعظم صفتى حيث تراها، لغلبة شهودك إياى، فقد أمرتك أن لا تشاهدها مقيدة في المحدثين. "-و هو قوله-ع-: "إن اللّٰه أدبنى فحسن أدبى! "-و هذا من ذلك التأديب.
(ترحيب النبي بمن عاتبه ربه فيهم)
و كان رسول اللّٰه-ص-إذا رأى هؤلائك الأعبد (من الصحابة) يقول: "مرحبا بمن عاتبني فيهم ربى! "فكلما جلسوا عنده، جلس لجلوسهم، لا يمكن له أن يقوم، و لا يتصرف حتى يكونوا هم الذين يتصرفون. فان اللّٰه قال له: وَ اِصْبِرْ نَفْسَكَ ! و لما علموا ذلك
منه، و أنه-ع-قد تعرض له أمور يحتاج إلى التصرف فيها، فكانوا يخففون فلا يلبثون عنده إلا قليلا و ينصرفون، حتى ينصرف النبي-ص-لأشغاله. فترك ص ذلك الأمر، الذي كان له فيه مشهد صحيح إلهى، مراعاة لحفظ القلوب المنكسرة (من بين الصحابة) .
(اللّٰه عند المنكسرة قلوبهم غيبا و عند المتكبرين عينا)