و الصنف الرابع (من المجاهدين) هم الذين قال اللّٰه فيهم:
وَ اَلَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا -الذين قلنا لهم فيها:
وَ لاٰ تَتَّبِعُوا اَلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ -يعنى السبيل التي لكم فيها السعادة، و إلا فالسبل كلها إليه لأن اللّٰه منتهى كل سبيل:
"فإليه يرجع الأمر كله". و لكن ما كل من رجع إليه سعد. فسبيل السعادة هي المشروعة لا غير. و إنما جميع السبل فغايتها كلها إلى اللّٰه أولا ثم يتولاها"الرحمن"آخرا، و يبقى حكم الرحمن فيها إلى الأبد الذي لا نهاية لبقائه. و هذه مسألة عجيبة: المكاشف لها قليل، و المؤمن بها أقل! و لما كان سبب الجهاد أفعالا تصدر من الذين أمرنا بقتالهم
و جهادهم-و تلك الأفعال (هي) أفعال اللّٰه-فما جاهدنا إلا"فيه"لا في العدو، إذ لم يكن عدوا إلا بها. فإذا جاهدنا"فيه"و تبين لنا بقوله-إذا جاهدنا"فيه"-: "أن يهدينا سبله"-أي يبين لنا سبله فندخلها، - فلا نرى (حينئذ) أنا جاهدنا"غيرا! "فاستغفرنا اللّٰه مما وقع منا، و كان من السبل مشاهدة ما وقع منا أنه الموقع، لا نحن. فاستغفرنا اللّٰه (أيضا) ، أي طلبنا منه أن لا نكون محلا لظهور عمل قد وصف نفسه بالكراهة فيه. فقد ثبت أنه ما في الوجود إلا اللّٰه! فما جاهد فيه سواه.
و لو لا ما هدانا سبله ما عرفنا ذلك. و لذلك تمم الآية بقوله (-تعالى-) : وَ إِنَّ اَللّٰهَ لَمَعَ اَلْمُحْسِنِينَ -و"الإحسان أن تعبد اللّٰه كأنك تراه"-فإذا رأيته علمت أن الجهاد كان منه و فيه!
(الكتاب الإلهي و الكتابة الإلهية)