(المجاهدون بالله هم أرباب الجهاد العام)
و أما المجاهدون الذين لم يقيدهم اللّٰه بصفة معينة: لا في سبيل، و لا فيه، و لا بحق جهاد، -فهم"المجاهدون بالله"الذي ليس من صفته التقييد. فجهاده (-فجهادهم) في كل شيء. و هو الجهاد العام. و نسبة الجهاد إليه (-إلى صاحب هذا المقام) ، الذي هو المشقة فيه، لكونه (-تعالى-) سماه"مجاهدا"و لم يقيد فيما ذا يجاهد؟ فهو حكم القضاء و القدر في الأشياء الذي يحصل منه الكره في المقضي عليه بما قضى به عليه. و الحق لا يريد مساءته لما له بهذا العبد من العناية، فقال (-تعالى-) في هذا المقام: "ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددى في قبض نسمة عبدى المؤمن، يكره الموت و أكره مساءته، و لا بد له من لقائي"-يقول: و لا بد له من الموت لما سبق به العلم، فيقبضه
(-تعالى-) عن مجاهدة مطلقة، غير مقيدة بأذى و لا غيره. و لكن تنبيهه- تعالى-بالتردد دليل على حكم يناسب حكم المجاهدة. فإنه (-تعالى-) ما جاء به إلا ليفيدنا العلم بالأمر على ما هو عليه. فإنه-سبحانه- المعلم عباده، و هو قوله: وَ قٰالَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ . و هو الذي أعطاهم العلم من اسمه"الرحمن"الذي قال فيه: عَلَّمَ اَلْإِنْسٰانَ مٰا لَمْ يَعْلَمْ .
(المجاهدون الذين لا يتقيدون هم"المترددون")
فالمجاهدون من العباد الذين لا يتقيدون-كما أطلقهم اللّٰه-هم"المترددون"في الأفعال الصادرة أعيانها فيهم: هل ينسبونها إلى اللّٰه، ففيها ما لا ينبغي أن ينسب إليه (-تعالى-) أدبا و تبرأ الحق منها، كما قال: بَرٰاءَةٌ مِنَ اَللّٰهِ ؟ أو ينسبونها لأنفسهم، ففيه
ما ينبغي أن ينسب إلى اللّٰه أدبا مع اللّٰه و نسبة حقيقة؟ و رأوا اللّٰه يقول:
وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ -فنفى و أثبت عين ما نفى! ثم قال: وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ رَمىٰ -فجعل الإثبات بين نفيين، فكان أقوى من الإثبات (المجرد أو المفرد) ، لما له من الاحاطة بالمثبت! ثم قال (تعالى) : وَ لِيُبْلِيَ اَلْمُؤْمِنِينَ -في نفس هذه الآية. فعلمنا أن اللّٰه حير المؤمنين-و هو ابتلاؤه-بما ذكر من نفى الرمي و إثباته، و جعله"بلاءً حسنا"-أي إن نفاه العبد عنه أصاب، و إن أثبته له أصاب، و ما بقي إلا (معرفة) أي الاصابتين أولى بالعبد، و إن كان كله حسنا؟ و هذا موضع الحيرة، و لذلك سماه (-تعالى-) "بلاءً"أي موضع اختبار. فمن أصاب الحق-و هو مراد اللّٰه-أي الاصابتين أو أي الحكمين أراد (اللّٰه، أ هو)