و عدم الامتناع مما يراد من الفعل بهم، من قطع الأعضاء و تمزيق الجلود و أكل سباع الطير و استحالة أجسامهم إلى الدود و البلى. فقاسوا.
فأخطئوا القياس. و لا قياس أوضح من هذا، و لا أدل في وجود العلة منه! و مع هذا (كله) أكذبهم اللّٰه و قال لهم: "ما هو الأمر في المقتول في سبيلي، كالمقتول في غير سبيلي! "-"فلا تحسبن الذين قتلوا في سبيل اللّٰه أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين"-فقال لهم:
"ذلك الحكم الذي حكمتم (به) على المقتولين في سبيل اللّٰه ليس بعلم، و إذا لم يكن علما لم يكن صحيحا، و إذا لم يصح لم يجز الحكم به مع علمنا باخبار اللّٰه أن ذلك ليس بصحيح. ثم قال (تعالى) : وَ لاٰ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ أَمْوٰاتٌ بَلْ أَحْيٰاءٌ وَ لٰكِنْ لاٰ تَشْعُرُونَ -فنفى عنهم العلم الذي أعطاهم"القياس". فإذا كان حكم هذا القياس على
وضوحه و عدم الريب فيه و توفر أسبابه و ظهور علله الجامعة بينه و بين غيره من القتلى-و هو باطل باخبار اللّٰه-فما ظنك بقياس الفقهاء في "النوازل"و قياس العقلاء بحكم الشاهد على الغائب في معرفة اللّٰه؟ هيهات! صدق اللّٰه و كذب أهل القياس على اللّٰه-و اللّٰه! -. لا أشبه من "ليس كمثله شيء"من مثله الأشياء!
(المجاهدون في سبيل اللّٰه و صنفا النفوس)
فلما كان إتلاف المهج أعظم المشاق على النفوس، لهذا سمى جهادا. فان النفوس نفسان: نفس ترغب في الحياة الدنيا لألفتها بها، فلا تريد المفارقة و تشق عليها، و نفس ترغب في الحياة
الدنيا لتزيد بذلك طاعة و أفعالا مقربة و معرفة إلهية و ترقيا دائما مع الأنفاس، فتشق عليها مفارقة الحياة الدنيا. فلهذا سمى جهادا في حق الطائفين. -فاما"المجاهدون في سبيل اللّٰه"-و هي (أي سبيل اللّٰه) الطريق إلى اللّٰه، أي إلى الوصول إليه من كونه إلها، فهو جهاد لنيل معرفة المرتبة التي عنها ظهر العالم و الأحكام فيه، و عنها تكون الخلائق في الأرض-(نقول:) ف(هذا الصنف من المجاهدين) ينالهم في هذه السبل من المشقة ما يناله المسافر في طريقه المخوفة، فإنه في طريق عرض نفسه، في السلوك فيه، إلى إتلاف ماله و نفسه و يتم أولاده و فقد مالوفاته. قال تعالى: وَ جٰاهَدُوا بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ