فشرع اللّٰه لها (أي للصورة الانسانية) في الدنيا"المباح".
فلا تنظر إليها"الصورة الإلهية"إلا في وقت تصرفها في"المباح"، و هو أرفع أحوال النفس في الدنيا، فإنه من الحياة الأخرى التي لا تحجير فيها. فإذا انتقلت (النفس) من المباح إلى مكروه أو مندوب أعرضت
"الصورة"عن المكلف قليلا، و نأت بجانبها مع بعض التفات إليها إلى نفس المكلف) . فإذا انتقلت (النفس) إلى محظور أو فعل واجب، أسدلت (الصورة) الحجاب و أعرضت بالكلية عن ذلك المكلف. فلما رأى ذلك من كلفها و حجر عليها-و هو اللّٰه تعالى-أوجب على نفسه ما أوجب مثل قوله: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلىٰ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ و قوله: وَ كٰانَ حَقًّا عَلَيْنٰا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ -فرفع الحجاب! فنظرت"الصورتان"، كل واحدة منهما للأخرى، في كل حال من أحوال الأحكام.
(الوجوب على اللّٰه و تعلق العلم الإلهي بالمعلومات)
فانظر-يا ولى! -ما ألطف اللّٰه و ما أرأفه بعباده! حيث شرك نفسه معهم في حكم"الوجوب"و ما أسقط"الوجوب"عنهم، بل
أدخل نفسه معهم فيه، إذ و قد اتصفوا به ابتداء، فلو أزاله عنهم لم يقم عندهم مقام إدخال نفسه معهم فيه. أي ذقنا ما ذوقناكم! هذا غاية اللطف في الحكم و التنزل الإلهي. كما نزل معهم (-سبحانه-) في"العلم المستفاد"-إذ كان علمهم مستفادا، فقال: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّٰى نَعْلَمَ -و هو العليم! فانسهم. -و فيه حكم إيمان يعتضد به من يسمع (أمثال ذلك) ممن لا يعرف اللّٰه. (و هو) قولهم: "إن اللّٰه لا يعلم الجزئيات" -و إن كانوا قصدوا بذلك التنزيه (الإلهي) . و هذه مسألة لا يمكن تحققها بالعقل ما لم يكن الكشف (مسعفا) بكيفية تعلق العلم الإلهي بالمعلومات، و أنه ليس في حق الحق ماض و لا آت، و أن"آنه" (-تعالى-) لم يزل و لا يزال. لا يتصف"أنه"(-سبحانه-) بانه لم يكن ثم كان، و لا بانقضاء بعد ما كان. و ربما يعطى اللّٰه هذه القوة لمن
شاء من عباده. و قد ظهر منها نفحة على محمد-ص-"علم بها علم الأولين و الآخرين"-فعلم الماضي و المستقبل في"الآن"! فلو لا حضور المعلومات له في حضرة"الآن"لما وصف بالعلم بها. -فهذا يعلم أن اللّٰه يعلم الجزئيات علما صحيحا، غاب عنه من قصد التنزيه بنفيه عن جناب الحق.