يقول (تعالى) : "هو المؤمنون! "لأنه"المؤمن". و ما يسمع نداء الحق إلا بالحق. و السامع مؤمن، و السامعون كثيرون: ف"هو" المؤمنون. فترك التوبة (هو) ترك الرجوع لأنه قال (تعالى) : "ارجعوا وراءكم"-لمن كان في ظلمة كونه، -"فالتمسوا نورا"-انظروا إلى موجدكم و هو"النور"الذي به الظهور، فإذا رأيتم"النور"كشف لكم عنكم، فعلمتم (ثمة) أنه"أقرب إليكم منكم و لكن لا تبصرون"- لعدم النور.
(ما تاب من تاب و لكن اللّٰه تاب!)
فلما حصلت لهم المعرفة بهذا القدر، لم تصح منهم توبة عندهم أنهم تائبون: "فتاب عليهم"-فكان (-تعالى-) هو التائب على الحقيقة، و (كان) العبد محل ظهور الصفة، و لذلك قال
(-سبحانه-) : "ليتوبوا"(و ذلك في نفس سياق الآية) . ثم قال: "إن اللّٰه هو التواب"-و هو لفظ المبالغة، إذ كانت له (-تعالى-) التوبة الأولى من قوله: "ثم تاب عليهم"، و الثانية من قوله: "ليتوبوا"- فالتوبتان له (-تعالى-) من كل عبد: فهو التواب، لا هم! "و ما رميت إذ رميت و لكن اللّٰه رمى". -و هذا حكم سار في جميع أفعال العباد. -فما تاب من تاب، و لكن اللّٰه تاب! و لهذا قالت الجماعة: "التوبة ترك التوبة"و"التوبة (إنما هي) من التوبة! "- فنفيها إثباتها، و إثباتها نفيها!
(التوبة على مستوى الشريعة، و التوبة على مستوى الحقيقة)
فترك التوبة (هو) حال التبري من الدعوى. فليست التوبة المشروعة (-التوبة على مستوى الشريعة) إلا الرجوع من حال المخالفة إلى حال الموافقة. أعنى مخالفة أمر الواسطة (التي هي الشريعة) إلى موافقة أمرها، لا غير. و التوبة من التوبة (-التوبة على مستوى
الحقيقة) هي الرجوع منه (-تعالى-) ، إليه، به! فالتوبة من التوبة لها الكشف، و ما لها حجاب، و صاحبها مسئول لأنه تبرأ من الدعوى بها، أعنى بالدعوى. و كل مدع مطالب بالبرهان على صحة دعواه. فالمكمل من يثبت التوبة حيث أثبتها الحق، و لمن أثبتها، و لا يعديها محلها، فلها رجال يقومون بها، و لها رجال يحكمون بها و"هم عنها مبعدون"-لأنها حالة غربة، و هم في الموطن الذي فيه ولدوا: فلا غربة!