(في"العزم على أن لا يعود"سوء أدب مع اللّٰه)
فان في العزم (على أن لا يعود، كما هو حد التوبة) سوء أدب مع اللّٰه بكل وجه. فإنه لا يخلو أن يكون عالما بعلم اللّٰه فيه أنه لا تقع منه زلة في المستأنف، أم لا. فان كان عالما بذلك فلا فائدة في"العزم على أن لا يعود"، بعد علمه أنه لا يعود. و إن لم يعلم و عاهد
اللّٰه على ذلك-و كان ممن قضى اللّٰه عليه أن يعود-فهو ناقض عهد اللّٰه و ميثاقه. و إن أعلمه اللّٰه أنه يعود فعزمه، بعد العلم أنه يعود، مكابرة.
فعلى كل وجه، لا فائدة للعزم في المستأنف: لا لذي العلم و لا لغير العالم. فالتوبة التي طلب (اللّٰه) منا إنما هي صورة ما جرى من آدم- ع-.
(معنى"التوبة"عند أهل اللّٰه)
هذا معنى"التوبة"عند أهل اللّٰه. فان"اللّٰه يحب كل مفتن تواب"-أي كل من اختبره اللّٰه في كل نفس فيرجع إلى اللّٰه فيه، لا يعزم على أنه لا يعود. -و أما قولهم في الركن الثالث على طريقنا، و هو قولهم: "و العزم على أنه لا يعود لما تاب منه"-فهو جهل على الحقيقة. فان الذي تاب منه، من المحال أن يرجع إليه، و إن رجع إنم
يرجع إلى مثله، لا إلى عينه. فان اللّٰه لا يكرر شيئا في الوجود. فالعالم بذلك لا يعزم على أنه لا يعود. و الذي ينظره أهل اللّٰه أن التائب يعزم على أنه لا يعود: أن ينسب إليه ما ليس إليه، و إن عاد بنسبته إليه فقد علم عند العزم أن ذلك العود إلى اللّٰه، لا إليه، فلا تضره الغفلة بعد تصحيح الأصل. و هو بمنزلة"النية"عند الشروع في العمل، فان الغفلة لا تؤثر في العمل فسادا، و ان لم يحضر (العامل) في أثناء العمل ما أحضره عند الشروع. -فهكذا العازم في عزمه.
(توبة المحققين لا ترتفع دنيا و لا آخرة)