ذلك من عناية الاجتباء. أي (أن آدم) لما"اجتباه"(ربه) أعطاه "الكلمات"و"هدى"-أي بين له قدر ما فعل و ما يستحقه من الجزاء، و قدر ما أنعم به عليه من الاجتباء. و مع التوبة قال له: "اهبط! "-هبوط ولاية و استخلاف، لا هبوط طرد. فهو هبوط مكان، لا هبوط رتبة! هبوط مكان لا هبوط مكانة ليلقى به فوزا و ملكا مخلد
كما قال من أغواه صدقا لكونه رآه كلاما من إله مسدد
فان إبليس قال له: هَلْ أَدُلُّكَ عَلىٰ شَجَرَةِ اَلْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لاٰ يَبْلىٰ؟ -فسمع (آدم) ذلك الخطاب من ربه-تعالى-، فكان (ذلك الخطاب) صدقا لحسن ظنه (-آدم) بربه. فعرض له (أي لآدم ما عرض) من أجل المحل الذي ظهر فيه خطاب الحق (و هو إبليس) ، فأورثه (ذلك) ظهور السوءات من أجل المحل (و هو
إبليس) ، و أورثه الأكل"الخلد و الملك الذي لا يبلى". و لكن بعد ظهور سلطانه و نيابته، و نيابة بنيه في خلقه: حكما، مقسطا، عدلا، يرفع القسط و يضعه. أورثه ذلك كله توبة ربه!
(الناصح نفسه من سلك طريقة أبيه آدم في التوبة)
و اعلم أن توبة ربه مقطوع لها بالقبول، و توبة العبد (هي) في محل الإمكان لما فيها من العلل، و عدم العلم باستيفاء حدودها و شروطها و علم اللّٰه فيها. فالعارفون آدميون يسألون من ربهم أن يتوب عليهم، و حظهم من التوبة الاعتراف و السؤال، لا غير ذلك. هذا معنى قوله-تعالى-: وَ تُوبُوا إِلَى اَللّٰهِ جَمِيعاً -أي ارجعوا إلى الاعتراف و الدعاء كما فعل أبوكم آدم. فان الرجوع إلى اللّٰه بطريق العهد-و هو
لا يعلم ما في علم اللّٰه-فيه خطر عظيم. فإنه إن كان قد بقي عليه (أي على المعاهد) شيء من مخالفة، فلا بد من نقض ذلك العهد، فينتظم في قوله (-تعالى-) : اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اَللّٰهِ مِنْ بَعْدِ مِيثٰاقِهِ . - فلم ير أكمل معرفة من آدم-ع-حيث اعترف و دعا، و ما عهد مع اللّٰه توبة"عزم فيها أن لا يعود"-كما يشترطه علماء الرسوم في"حد التوبة". -فالناصح نفسه من سلك طريقة آدم.