و رأوا مشاهدة أن اللّٰه هو الفاعل لذلك، فلم يقع العهد، في نفس الأمر، إلا من اللّٰه: بين اللّٰه و بين نفسه. فعلموا أن الحجاب أعماهم عن هذا الإدراك في حين أخذ العهد، و أن العهد إنما يلزم لأهل الحجاب فانتقض عهدهم. و الأعمال تجرى منهم بالله، و هم لا يرونها. فهم المعصومون في أعمالهم عن إضافتها إليهم.
و كذلك (الأمر) في"قطعهم ما أمرهم اللّٰه أن يصلوه"من أرحامهم. فقال ع: "الرحم شجنة من الرحمن من وصلها وصله اللّٰه"-فوصلوها بالرحمن، و ردوا القطعة إلى موضعها. فشاهدوا الرحمن يمتن عليهم، و خرج هؤلاء من الوسط، و امتثلوا قول الشارع
بصلة الرحم. فأخذها الناس على (أنها) صلة القرابة بالمال، و يأخذها هؤلاء على (أنها) صلة القربى إلى اللّٰه. فهم يدلون أرحامهم على أصلهم و هو"الرحمن"، و يرون في إعطائهم الصلات"يد اللّٰه معطية و يد اللّٰه هي الآخذة! "-فإنها (أي الرحم) "شجنة من الرحمن".
فالعطاء منه، و الأخذ منه. -فانقطع هؤلاء عن"صلة الرحم" بالمال لأنهم لا يد لهم، مع غاية الإحسان في الشاهد، و الناس لا يشعرون.
و كذلك قوله (-تعالى-) : "و يفسدون في الأرض"- و فساد دنياهم هو فسادهم في الأرض، لأن الجنة في السماء، و في هذا الفساد صلاح آخرتهم في السماء. فيصومون، و يسهرون، و يحملون
الأثقال الشاقة. و هذا كله من فساد أرض أجسامهم لما طرأ عليها من النحول و الذبول و الضعف. و هذا كله وصف أهل الشقاء في الكتاب.
فقال (تعالى) : فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْفٰاسِقُونَ -ثم وصفهم: اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اَللّٰهِ مِنْ بَعْدِ مِيثٰاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ مٰا أَمَرَ اَللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ .