و لا أشك، كشفا و علما، أنه و إن عمرت الملائكة جميع الأرض، مع تفاضلهم في المعارف و الرتب، فان أعلاهم رتبة، و أعظمهم علما و معرفة (هم) عمرة المسجد الحرام. و على قدر جلسائك يكون وجودك. فإنه لهمم الجلساء، في قلب الجليس لهم، تأثيرا. و همهم، على قدر مراتبهم.
و إن كان (التفاضل) من جهة الهمم، فقد طاف بهذا البيت مائة ألف نبى و أربعة و عشرون ألف نبى سوى الأولياء. و ما من نبى و لا ولى إلا و له همة متعلقة بهذا البيت.
و هذا البلد (هو البلد) الحرام: لأنه البيت الذي اصطفاه اللّٰه على سائر البيوت، و له سر الأولية في المعابد، كما قال-تعالى! -: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّٰاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبٰارَكاً وَ هُدىً لِلْعٰالَمِينَ فِيهِ آيٰاتٌ بَيِّنٰاتٌ مَقٰامُ إِبْرٰاهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً من كل مخوف، -إلى غير ذلك من الآيات. فلو رحل الصفي-أبقاه اللّٰه! -إلى هذا البلد الحرام الشريف، لوجد من المعارف و الزيادات ما لم يكن رآه قبل ذلك، و لا خطر له بالبال.
و قد علم-رضى اللّٰه عنه! -أن النفس تحشر على صورة علمها، و الجسم (يحشر) على صورة عمله. و صورة العلم و العمل بمكة، أتم مما في سواها. و لو دخلها صاحب قلب ساعة واحدة لكان له ذلك، فكيف إن جاور بها و أقام، و أتى فيها بجميع الفرائض و القواعد؟ فلا شك أن مشهده بها يكون أتم و أجلى، و مورده أصفى و أعذب و أحلى. و إذ، صفيي-أبقاه اللّٰه! - قد أخبرنى أنه يحس بالزيادة و النقص، على حسب الأماكن و الأمزجة، و يعلم أن ذلك راجع أيضا إلى حقيقة الساكن به أو همته، كما ذكرنا. و لا شك عندنا أن معرفة هذا الفن، أعنى معرفة الأماكن، و الإحساس بالزيادة و النقص، من تمام تمكن معرفة العارف و علو مقامه، و شرفه على الأشياء و قوة ميزه. -فالله يكتب لوليي فيها أثرا حسنا، و يهبه فيها خبرا طيبا. إنه الملي بذلك و القادر عليه!
(الأسماء الإلهية و الحقائق الوجودية)