(المعية تقتضي المناسبة)
فنقول: إن المعية تقتضي المناسبة، فلا نأخذ من الحق إلا الوجه المناسب، لا الوجه الذي يرفع المناسبة. ثم إن أردنا أن نعمم الجواب بتعميم قوله-تعالى-: "أينما كنتم"من الأحوال. و لا يخلو موجود عن حال، بل ما تخلو عين موجودة و لا معدومة أن تكون على حال وجودى أو عدمى، في حال وجودها أو (في حال) عدمها، و لهذا قال تعالى: وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مٰا كُنْتُمْ .
فان قلت: قوله"كنتم"لفظة معناها وجودى، فالمعنى أينما كنتم من الوجود. -فنقول: صحيح. و لكن من أي الوجوه من الوجود:
من حيث العلم بكم؟ و ما ثم إلا هو، أو من حيث الوجود الذي تتصف به عين الممكنات من حيث ما هي مظاهر، فحالة منها توصف العين الممكنة بها بالعدم، و لهذا نقول: كان هذا معدوما و وجد، و الكون يناقض العدم مع صحة هذا القول. فيعلم عند ذلك أن قوله-تعالى-: "أينما كنتم"-أي على أي حالة تكونون من الوصف بالعدم أو الوجود.
(معية الحق مع الخلق بالعلم و اللطف، و مع الأصفياء بما يطلبه الاصطفاء)
ثم نقول: إنه (-تعالى-) مع الخلق"بإعطاء كل شيء خلقه" من كونهم خلقا لا غير. فينجر معه أنه معهم بكل ما تطلبه ذواتهم من لوازمها. -و معيته (-سبحانه-) مع الأصفياء بما يعطيه الصفاء من التجليات، فإنه قد وصفهم بانهم أصفياء: فما هو معهم بالصفاء و الاصطفاء، و إنما هو معهم بما يطلبه الاصطفاء. -و قدم (الحكيم الترمذي
في صدر سؤاله هنا ذكر) الخلق (على ذكر الأصفياء) فإنه (أي الخلق) مقدم بالرتبة (الوجودية) : فان الاصطفاء لا يكون إلا بعد الخلق، بل هم (أي الأصفياء) من الخلق عند الحق: بمنزلة"الصفي"الذي يأخذه الامام من المغنم قبل القسمة. فذلك (أي"الصفي") هو نصيب الحق من الخلق! و ما بقي فله و لهم.