فان هم (و أعنى متبعي حكماء الوقت) قاموا بحدود ذلك الناموس، و وقفوا عنده و رعوه، جازاهم اللّٰه على ذلك بحسب ما عاملوه به في الدنيا و الآخرة، (جازاهم على ذلك) جزاء الشرع المقرر، المدلول عليه: "فما رعوها حق رعايتها"-فيما ابتدعوه من"الرهبانية". "و من سن سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها و من سن سنة سيئة فعليه وزره
و وزر من عمل بها". -و إن اللّٰه مصدق قول واضع الناموس الحكمي، كما هو مصدق واضع الناموس الشرعي الحكمي.
فاما جزاؤه في الدنيا، فلا شك و لا خفاء بوقوع المصلحة و وجودها في الأهل و المال و العرض. و أما (في) الآخرة فعلى هذا المجرى، و إن لم يتعرض لها صاحب الناموس الحكمي. كما أنه، في ناموس الحكم الإلهي أن، في الآخرة، لنا"ما لا عين رأت، و لا أذن سمعت، و لا خطر على قلب بشر". و يحصل (ذلك) لنا من غير تقدم علم به، كذلك الحاصل في الآخرة جزاءا لعمل الناموس الذي اقتضته الحكمة عند من ابتدعه للمصلحة.
فان قال (واضع ناموس الحكمة) في ناموسه: "قال اللّٰه"- و يكون ممن قد علم أنه مظهر، و أن لا موجود على الحقيقة إلا اللّٰه، صدق
و عفا اللّٰه عنه. و إن كان من أهل الحجاب عن هذا العلم فامره إلى اللّٰه، و هو بحسب قصده في ذلك. فإنه قد يقصد الرئاسة و تكون المصلحة في حكم التبع، و قد يقصد المصلحة و تكون الرئاسة تبعا. و هذا الكلام لا يتصور إلا مع عدم الشرع المقرر بالدليل في تلك الجماعة و ذلك المكان خاصة
(نظر الحق إلى نفوس الأنبياء و آثاره)
و إذا نظر (الحق تعالى) إلى نفوسهم (أي إلى نفوس الأنبياء) ابتلاهم بمخالفة أممهم. فاختلفوا عليه (أي على نبيهم صاحب الشرع) ، و اختلفوا فيما بينهم و إن اجتمعوا عليه. و هذا كله إذا اتفق أن ينظر النبي إلى نفسه، و لا بد له من النظر إلى نفسه: فان الجلوس مع اللّٰه لا تقتضي البشرية دوامه. و إذا لم يدم فما ثم إلا النفس، فيكون نظره في هذه الحال نظر ابتلاء، لأن النبي في تلك الحالة