و هنا غور بعيد! و الإشارة إلى بعض بيانه (هو) أن كل ممكن يتعلق العلم الإلهي بإيجاده لا يمكن أن يوجد، فهو محال الوجود. فحكم على الممكن المحال و ألحقه به، فكان في قبضة المحال. و ما تعلق العلم الإلهي بإيجاده فلا بد أن يوجد، فهو واجب الوجود. فحكم على الممكن الوجوب فكان في قبضة الواجب، و ليس له حكم بالنظر إلى نفسه. فما خرج الممكن من أن يكون مقبوضا عليه إما في قبضة المحال، و إما في قبضة الواجب. و لم يبق له في نفسه رتبة يكون عليها خارجة عن هذين المقامين. فلا إمكان: فاما محال، و إما واجب.
و أما الغور البعيد فان جماعة قالوا و ذهبوا إلى أنه ليس في الإمكان شيء إلا و لا بد أن يوجد إلى ما لا يتناهى، فما ثم ممكن في قبضة المحال. و لا شك أنهم
غلطوا في ذلك من الوجه الظاهر، و أصابوا من وجه آخر. فاما غلطهم، فما من حالة من الأكوان في عين ما تقتضي الوجود فتوجد، إلا و يجوز ضدها على تلك العين: كحالة القيام للجسم مع جواز القعود، لا نفى القيام. و من المحال وجود القعود في الجسم القائم في حال قيامه و زمان قيامه. فصار وجود هذا القعود بلا شك في قبضة المحال، لا يتصف بالوجود أبدا من حيث هذه النسبة لهذا الجسم الخاص، و هو قعود خاص، و أما مطلق القعود فإنه في قبضة الواجب، فإنه واقع.
و أما وجه الاصابة، فان متعلق الإمكان إنما هو في الظاهر في المظاهر، و المظاهر محال ظهورها (-ظهور العين) و واجب الظهور فيها.
و الظاهر لا يجوز عليه خلافه فإنه ليس بمحل لخلافه، و إنما المظهر هو المحل و قد قبل ما ظهر فيه و لا يقبل غيره، فإذا وجد غيره فذلك ظهور آخر و مظهر آخر. فان كل مظهر لظاهر لا ينفك عنه بعد ظهوره فيه. فلا يبقى في الإمكان شيء إلا و يظهر
إلى ما لا يتناهى، فان الممكنات غير متناهية. -و هذا غور بعيد التصور، لا يقبل إلا بالتسليم أو بدقيق النظر جدا، فإنه سريع التفلت من الخاطر، لا يقدر على إمساكه إلا من ذاقه، و العبارة تتعذر فيه!
السؤال الثاني و العشرون و مائة: ما صنيعه بهم في القبضة؟