علمه، و علمه ذاته. فإنه يستحيل عليه (-تعالى-) أن يقوم بذاته أمر زائد أو عين زائدة ما هي ذاته، تعطيه حكما لا يصح له ذلك الحكم دونها، مما يكون كمالا لها في ألوهيتها. بل لا تصح الألوهة إلا بها، و هو كونه (-تعالى-) عالما بكل شيء، ذكر ذلك عن نفسه بطريق المدحة لذاته، و دل عليه الدليل العقلي.
و من المحال أن تكمل ذاته بغير ما هي ذاته، فتكون مكتسبة الشرف بغيرها.
(المقام الذي فوق الفكر و مراتب العلوم)
و من علمه (-سبحانه-) بذاته، علم العلماء بالله من اللّٰه ما لا تعلمه العقول من حيث أفكارها الصحيحة الدلالة. و هذا العلم (هو) ما تقول فيه الطبقة: إنه وراء طور العقل. قال تعالى في عبده خضر: وَ عَلَّمْنٰاهُ مِنْ لَدُنّٰا عِلْماً و قال تعالى: عَلَّمَهُ اَلْبَيٰانَ -فأضاف التعليم إليه، لا إلى الفكر.
فعلمنا أن ثم مقاما آخر فوق الفكر، يعطى العبد العلم بامور شتى: منها ما يمكن أن يدركها من حيث الفكر، و منها ما يجوزها الفكر و إن لم تحصل لذلك العقل من الفكر: و منها ما يجوزها الفكر و إن كان يستحيل أن يعينها الفكر، و منها ما تستحيل عند الفكر فيقبلها العقل من الفكر مستحيلة الوجود، لا يمكن أن تكون له تحت دليل الإمكان، فيعلمها هذا العقل من جانب الحق واقعة صحيحة، غير مستحيلة، و لا يزول عنها اسم الاستحالة و لا حكم الاستحالة عقلا.
قال ص: "إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغرة بالله"-هذا، و هو من العلم الذي يكون تحت النطق، فما ظنك بما عندهم من العلم مما هو خارج عن الدخول تحت حكم النطق؟ فما كل علم يدخل تحت العبارات. و هي علوم الأذواق كلها.
(لا أعلم من العقل، و لا أجهل من العقل)