"الرجل من تحسى البحار و لسانه خارج على صدره من العطش! "- و هذا هو الذي أشرنا إليه.
(الحب الطبيعي)
و اعلم أنه قد يكون الحب طبيعيا و المحبوب ليس من عالم الطبيعة، و لا يكون الحب طبيعيا إلا إذا كان المحب من عالم الطبيعة، لا بد
من ذلك. و ذلك أن الحب الطبيعي سببه نظرة أو سماع فيحدث في خيال الناظر مما رآه إن كان المحبوب ممن يدرك بالبصر، و في خيال السامع مما سمع، فحمله على نشأته فصوره في خياله بالقوة المصورة. و قد يكون المحبوب ذا صورة طبيعية مطابقة لما تصور في الخيال، أو دون ذلك، أو فوق ذلك. و قد لا تكون للمحبوب صورة، و لا يجوز أن يقبل الصور، فصور هذا المحب من السماع ما لا يمكن أن يتصور. و لم يكن مقصود الطبيعة في تصوير ما لا يقبل الصورة إلا اجتماعها على أمر محصور ينضبط لها، مخافة التبديد و التعلق بما ليس في اليد منه شيء.
فهذا هو الداعي لما ذكرناه من تصوير من ليس بصورة، أو من
تصوير من لم تشهد له صورة و إن كان ذا صورة. و فعل الحب في هذه الصورة أن يعظم شخصها حتى يضيق مجال الخيال عنها فيما يخيل إليه، فتثمر تلك العظمة و الكبر، التي في تلك الصورة، تحولا في بدن المحب، فلهذا تنحل أجساد المحبين، فان مواد الغذاء تنصرف إليها (-إلى صورة المحبوب) فتعظم، و تقل عن البدن فينحل، فان حرقة الشوق تحرقه فلا يبقى للبدن ما يتغذى به: و في ذلك الاحتراق نمو صورة المحبوب في الخيال، فان ذلك أكلها. -ثم إن القوة المصورة تكسو تلك الصورة في الخيال حسنا فائقا و جمالا رائقا تتغير لذلك الحسن صورة المحب الظاهرة، فيصفر لونه و تذبل شفته و تغور عينه. ثم إن تلك القوة تكسو تلك الصورة قوة عظيمة تأخذها من قوة بدن المحب، فيصبح المحب ضعيف القوى، ترعد فرائصه.