و أوله تجلى الذوق. و أما التجلي الذي يقع به الري فهو لأصحاب الضيق، فغاية شربهم رى. و أما أهل السعة فلا رى لشربهم، كأبي يزيد و أمثاله. - فأول ما أقدم في هذا السؤال، معرفة الحب، و حينئذ يعرف شرابه الذي أضيف إليه، و (يعرف) كأسه.
(مراتب الحب)
فاعلم أن الحب على ثلاث مراتب. حب طبيعى و هو حب العوام.
و غايته الاتحاد في الروح الحيواني: فيكون روح كل واحد منهما روحا لصاحبه بطريق الالتذاذ و إثارة الشهوة. و نهايته من الفعل النكاح، فان شهوة الحب تسرى في جميع المزاج سريان الماء في الصوفة، بل سريان اللون في المتلون. -و حب روحانى نفسى، و غايته التشبه بالمحبوب مع القيام بحق المحبوب و معرفة قدره. -و حب إلهى و هو حب اللّٰه للعبد و حب العبد لله، كما قال (تعالى) : يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ . و نهايته من الطرفين:
أن يشاهد العبد كونه مظهرا للحق، و هو لذلك الحق الظاهر كالروح للجسم (الذي هو) باطنه و غيب فيه لا يدرك أبدا، و لا يشهده إلا محب. -و أن يكون الحق مظهرا للعبد: فيتصف بما يتصف به العبد من الحدود و المقادير و الأعراض،
و يشاهد هذا العبد! و حينئذ (-و حينئذ فقط-) يكون محبوبا للحق. و إذا كان الأمر كما قلناه، فلا حد للحب-يعرف به-ذاتى. و لكن يحد (الحب) بالحدود الرسمية و اللفظية لا غير. فمن حد الحب ما عرفه! و من لم يذقه شربا ما عرفه! و من قال: "رويت منه"-ما عرفه! فالحب شرب بلا رى! قال بعض المحجوبين: "شربت شربة فلم أظما بعدها أبدا". فقال أبو يزيد: