"بلى! "في أخذ"الميثاق"فقال: "كأنه الآن في أذنى"-يشير إلى علمه بتلك
الحال، فان كان (علمه) عن تذكر، فلم يلحق بالملائكة في هذا المقام، و إن لم يكن (علمه) عن تذكر، بل استصحاب حال من حين"أشهد"إلى حين سئل، -فيكون ممن خصه اللّٰه بهذا المقام.
(هذا المقام) لا أنفيه و لا أثبته (بالنسبة إلى البشر) ، و ما عندي خبر من جانب الحق تعالى في ذلك، مروى و لا غير مروى، أنه ناله أحد من البشر و إنما ذكرنا ذلك في حق رسول اللّٰه-ص-أعنى أنه ناله، على طريق الاحتمال لا على (طريق) القطع. فإنه لا علم لي بذلك. و الظاهر أنه تخلله في هذا المقام ما يتخلل البشر فإنه كثيرا ما أوحى إليه في القرآن أن
يقول: "قل إنما أنا بشر مثلكم"-فاستروحنا من هذا أن حكمه حكم البشر، إلا ما خصه اللّٰه به من التقريب الإلهي الذي ورد و ثبت عندنا، و قد ثبت عنه أنه قال: "إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر و أرضى كما يرضى البشر"-و الرضى و الغضب من صفات النفس الحيوانية في البشر، لا من صفات النفس الناطقة. و إن اتصفت النفوس الناطقة بالرضى و الغضب فما هو على حد ما أراده بقوله: "أغضب كما يغضب البشر و أرضى كما يرضى البشر".
و إنما قلنا باضافة ذلك إلى النفس الحيوانية، لما نشاهده من الحيوانات من ذلك. و قد ثبت"النهى عن رسول اللّٰه-ص-عن التحريش بين البهائم" و جميع الحيوان كله ممن صفته المباشرة التي بحقيقتها سمى الإنسان بشرا.
-و بهذا القدر تبين فضل الملك على الإنسان في العبادة: لكونه لا يفتر، لأن حقيقة نشأته تعطيه أنه لا يفتر، فتقديسه ذاتى، لأن تسبيحه لا يكون إلا عن