إلا من استصحب حقيقته، من حين خلقت، شهود الاسم الإلهي الذي عنه تكونت، و بقي عليها هذا الشهود حين أوجد اللّٰه لها مركبها الطبيعي الذي هو الجسم، ثم استمر لها ذلك إلى حين الانتقال إلى البرزخ من غير موت معنوى و إن مات حسا.
و هذا (المقام) -و اللّٰه أعلم-ناله محمد ص.
فإنه قال: "كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين"-يريد أن العلم بنبوته حصل له"و آدم بين الماء و الطين"، و استصحبه ذلك إلى أن وجد جسمه في بلد لم يكن فيه موحد لله، و لم يزل على توحيد اللّٰه، لم يشرك كما أشرك أهله و قومه.
ثم إنه لما استقامت آلاته الحسية، و تمكن من العمل بها بحسب ما وجدت له، و استحكم بنيان قصر عقله و خزانة فكره، و اعتدلت مظاهر قواه الباطنة، -
لم يصرفها إلا في عبادة خالقه. فكان يخلو بغار حراء للتحنث فيه، إلى أن أرسله اللّٰه إلى الناس كافة. فكان"يذكر اللّٰه على كل أحيانه"كما ذكرت عنه عائشة أم المؤمنين-رضى اللّٰه عنها-. و قد قال ص عن نفسه، و هو الصادق: "إنه تنام عينه و لا ينام قلبه"-فأخبر عن قلبه أنه لا ينام عند نوم عينه عن حسه، فكذلك موته، إنما مات حسا كما نام حسا، فان اللّٰه يقول له: "إنك ميت". و كما أنه لم ينم قلبه، لم يمت قلبه. فاستصحبته الحياة من حين خلقه اللّٰه، و حياته إنما هي مشاهدة خالقه دائما لا تنقطع.
و قد أخبر ذو النون المصري حين سئل عن قوله (-تعالى-) :