بما فضلوا به على الانس، و ما مدح الانس بما فضلوا به على الجن، من الحرص على مزيد العلم بسكوتهم عند تلاوته. و لا سيما و الحق يقول لهم:
وَ إِذٰا قُرِئَ اَلْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا . و السورة واحدة في نفسها- كالكلام غير التام-فهم ينصتون حتى يتمها.
فجمع الصحابة من الانس بين فضيلتين لم يذكرهما رسول اللّٰه- ص-و ذكر فضل الجن فيما نطقوا به، فان نطقهم تصريح بالعبودية بلسان الظاهر، و هم بلسان الباطن أيضا عبيد، فجمعوا بين السائلين بهذا النطق و الجواب. و لم تفعل الانس من الصحابة ذلك عند التلاوة، فنقصهم هذا اللسان. فكان توبيخ رسول اللّٰه-ص-إياهم تعليما بما تستحقه المواطن- أعنى مواطن الألسنة الناطقة-ليتنبهوا فلا يفوتهم ذلك من الخير العملي، فإنهم
كانوا في الخير العلمي في ذلك الوقت. و حكم العمل في موطنه لا يقاومه العلم، فان الحكم للموطن. و حكم العلم في موطنه لا يقاومه العمل. -و الجن غرباء في الظاهر، فهم يسارعون في الظهورية ليعلموا أنهم قد حصل لهم فيه قدم لكونهم مستورين، فهم إلى الباطن أقرب منهم إلى الظاهر، و التلاوة كانت بلسان الظاهر، و الانس في مرتبة الظاهر، فحجبهم عن الجواب، الذي أجابت به الجن، كونهم أصحاب موطن الظاهر، فذهلوا عن الجواب لقرينة حال موطنهم، و لو وفوا به كان أحسن في حقهم، فنبههم رسول اللّٰه-ص-على الأكمل في موطنه. و هو المعلم، فنعم المؤدب!
(ملك الآلاء في"سورة الرحمن")
فمن أراد تحقيق"ملك الآلاء"فليتدبر"سورة الرحمن"من القرآن. و ينظر إلى تقديم الانس على الجن في آيتها، و قوله-تعالى-: