"خلق الإنسان"أيضا: فابتدأ به تقديرا و مرتبة نطقية، تهمما به على الجن و إن كان موجودا قبله، (و هذا) يؤذن بانه و إن تأخرت نشأته فهو المعتنى به في غيب ربه لأنه المقصود من العالم لما خصه به من كمال"السورة"في خلقه ب"اليدين"، و علمه"الأسماء"، و الإفصاح عما علمه بقوله: "علمه البيان".
(ملك الآلاء هو ملك الشاكرين)
و بعض أصحابنا يطلق"ملك الآلاء"على ما يحصل للعبد من مزيد الشكر على نعم اللّٰه، فذلك القدر لمن حصل له يسمى"ملك الآلاء"-فهو ملك الشاكرين. فمن شكر نعم اللّٰه بلسان حق (فهو صاحب"ملك الآلاء") . - و ناب الحق مناب العبد من اسمه"الشكور": و هو شكره لعباده على ما كان منهم من شكرهم على ما أنعم عليهم، ليزيدوا في الأعمال في مقابلة شكره، فيكون ما جازاهم به من ذلك على قدر علم الشاكر بالمشكور. و اللّٰه هو الشاكر
في هذا الحال، و هو العالم بنفسه. فالجزاء الذي يليق بهذا الشاكر لو جوزى- هو الذي يحصل لهؤلاء الشاكرين الذين لهم هذا الحال. فهذا الجزاء يسمى"ملك الآلاء"و هو أعظم الملك. و هو قوله-تعالى-: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ. إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ -أي نعم ربها: جمع آلاء-. و"إلى ربها"-المضافة إليه هنا الذي يستحقها، لو قبل الجزاء الذي هذه صفته، فتكون تلك جزاء هؤلاء. و هذا من باب ما طلب اللّٰه من عباده فقال: "اذكروني، و اعبدوني، و أطيعونى، و اشكروا لي و لا تكفرون". و هذا كله جزاء من العبد في مقابلة
ما أنعم اللّٰه عليه به من الوجود خاصة، فكيف إذا انضاف إلى ذلك ما خلق من أجله من النعم المعنوية و الحسية. قال تعالى: وَ مٰا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ -فعلل: فيعبدوه لكونه أنعم عليهم بالإيجاد لكمال مرتبة العلم و الوجود، من حيث من ذكر من الأجناس. -فاعلم ذلك. لا لكمال مرتبة الوجود و المعرفة من غير هذا التقييد، فان ذلك يكفى فيه خلق محدث واحد، و إيجاد العلم المحدث فيه المتعلق بالله و الكون. و لكن لما كانت الأجناس منحصرة عند اللّٰه و أوجدها كلها و بقي هذان الجنسان، أوقع الاخبار عنهما بما ذكر، فشرحناه بما تعطيه الحال المقصودة لخالقهما-تعالى-بهما. -انتهى الجزء الثامن و الثمانون، يتلوه (الجزء) التاسع و الثمانون: السؤال الثاني عشر و مائة.