و ذلك أن الايمان نور شعشعاني ظهر عن صفة مطلقة لا تقبل التقييد.
فإذا خالط هذا النور بشاشة القلوب كان حكمه ما ذكرناه من"الظاهر و الباطن و الأول و الآخر". -و المؤمنون فيه على قسمين: مؤمن عن نظر و استدلال و برهان، فهذا لا يوثق بإيمانه و لا يخالط نوره بشاشة القلوب، فان صاحبه لا ينظر إليه إلا من خلف حجاب دليله، و ما من دليل (نظرى) لأصحاب النظر إلا و هو معرض للدخل فيه و القدح و لو بعد حين، فلا يمكن لصاحب البرهان أن يخالط الايمان بشاشة قلبه، و هذا الحجاب بينه و بينه. -و المؤمن الآخر (هو) الذي كان برهانه عين حصول الايمان في قلبه، لا أمر آخر. و هذا هو الايمان الذي يخالط
بشاشة القلوب، فلا يتصور في صاحبه شك لأن الشك لا يجد محلا يعمره، فان محله الدليل و لا دليل! فما ثم على ما يرد الدخل و لا الشك، بل هو في مزيد.
(المؤمن على نوعين)
ثم إن المؤمن على نوعين: مؤمن له عين فيه نور بذلك العين، إذا اجتمع بنور الايمان، أدرك المغيبات التي متعلقها الايمان، -و مؤمن ما لعينه نور سوى نور الايمان، فنظر إليه به و نظر إلى غيره به. ف(المؤمن) الأول يمكن أن يقوم بعينه أمر يزيل عنه النور الذي إذا اجتمع بنور الايمان أدرك الأمور التي ألزمه الايمان القول بها. و هو المؤمن الذي لا دليل له، و ينظر الأشياء بذاته فيدخله الشك ممن يشككه فان فطرته تعطى النظر في الأدلة إلا أنه لم ينظر،
فإذا نبه تنبه. فمثل هذا إن لم يسرع إليه الذوق (حتى يعود إليه نور عينه الذي زال عنه) ، و إلا خيف عليه. -و المؤمن الآخر هو بمنزلة الجسد الذي قد تسوت بنيته، و استوت آلات قواه، و تم تركيب طبقات عينه، غير أنه ما نفخ فيه الروح: فلا نور لعينه. فإذا كان الإنسان بهذه المثابة من الطمس، فنفخ فيه روح الايمان، فأبصرت عينه بنور الايمان الأشياء، فلا يتمكن له إدخال الشكوك عليه جملة و رأسا: فإنه ما لعينه نور سوى نور الايمان، و الضد لا يقبل الضد، فما له نور في عينه يقبل به الشك و القدح فيما يراه. -و هكذا هي الأذواق، و هذه فائدتها. و متى لم يكن الايمان بهذه المثابة و الفطرة بهذه المثابة، و إلا فقليل أن يجيء منه ما جاء من الأنبياء و الأولياء من الصدق بالالهيات.