و صورة الصدق في الكذب أن المخبر الكاذب ما أخبر إلا بامر وجودى صحيح العين في تخيله، إذ لو لم يتخيله لحصول المعنى عنده لما صح أن يخبر عنه بما أخبر، فهو صادق في خبره ذلك، و المؤمن به صديق. ثم أخبر الحق عن ذلك الخبر أنه بالنسبة إلى الحس كذب، و ما تعرض (الحق) إلى الخيال، كما لم يتعرض المخبر في خبره إلى الحس.
و إنما السامع ليس له في أول سماعه الأخبار إلا أول مرتبة و هي الحس، ثم بعد ذلك يرتقى في درجات القوى. فاعتقد بعد هذا، باخبار الحق عنه أن ذلك كذب في الحس، أنه كذب في الحس: أي ليس في الحس منه صورة من حيث الحكم الظاهر، فهو صديق للخبر الحق. فما في الوجود كذب و لا في العدم صدق.
فان الصدق أصله الصادق و هو الوجود المحض الذي لا نسبة للعدم إليه، و الكذب هو العدم المحض الذي لا نسبة للوجود إليه. -و أما الكذب النسبي (فهو) بالنظر إلى الخيال يكون صدقا، و بالنظر إلى الظاهر على شرط مخصوص يكون كذبا.
فالصديق يتعلق به من حيث نسبته إلى ما هو موجود به، و العامة تتعلق به من حيث إنه لا وجود له في المرتبة التي يطلبها فيه من يكذبه. -فاعلم ذلك!
(الصفة التي بها تحصل الصديقية للصديق)
فان شئت قلت بعد هذا: إن للصديقية أجزاء منحصرة، و إن شئت قلت: