و كذلك المفعول الانبعاثى الذي هو النفس الكلية، المنبعثة من العقل انبعاث الصورة الدحيية من الحقيقة الجبرئيلية. فإنها (أي النفس الكلية) لا تعرف الذي انبعثت عنه أصلا، لأنها تحت حيطته و هو المحيط بها، لأنها خاطر من خواطره. فكيف تعلم (النفس الكلية) ما هو فوقها، و ما ليس فيها منه إلا ما فيها؟ فلا تعلم منه إلا ما هي عليه. فنفسها علمت، لا سببها! و كذلك المفعول الابداعى، الذي هو الحقيقة المحمدية عندنا، و العقل الأول عند غيرنا. و هو القلم الأعلى الذي أبدعه اللّٰه-تعالى-من غير شيء. و هو أعجز و أمنع عن إدراك فاعله من كل مفعول تقدم ذكره. إذ بين كل مفعول و فاعل، مما تقدم ذكره، ضرب من ضروب المناسبة و المشاكلة،
فلا بد أن يعلم منه قدر ما بينهما من المناسبة، إما من جهة الجوهرية، أو غير ذلك. و لا مناسبة بين المبدع الأول و الحق-تعالى! -. فهو أعجز عن معرفته بفاعله من غيره، من مفعولى الأسباب. -إذن، قد (ثبت) عجز المفعول، الذي يشبه سببه الفاعل له من وجوه، عن إدراكه و العلم به. -فافهم هذا و تحققه، فإنه نافع جدا في باب التوحيد، و العجز عن تعلق العلم المحدث بالله-تعالى-.
وصل
(القوى الخمس و مدركاتها الحقيقة)
يؤيد ما ذكرناه، أن الإنسان إنما يدرك المعلومات كلها بإحدى القوى الخمس: القوة الحسية، و هي على خمس: الشم، و الطعم، و اللمس، و السمع، و البصر. فالبصر يدرك الألوان و المتلونات و الأشخاص، على حد معلوم من القرب و البعد. فالذي يدرك منه على ميل، غير الذي يدرك منه على ميلين، و الذي يدرك منه على عشرين باعا، غير الذي يدرك منه على ميل، و الذي يدرك منه و يده في يده يقابله، غير الذي يدرك منه على عشرين باعا. فالذي يدرك منه على ميلين شخصا، لا يدرى هل هو إنسان أو شجرة؟ و على ميل، يعرف أنه إنسان، و على عشرين باعا، (يعرف) أنه أبيض أو أسود، و على المقابلة، (يعرف) أنه أزرق أو أكحل. -و هكذا سائر الحواس في مدركاتها من القرب و البعد.