و مثل قوله: "و نفس و ما سواها"-و هي نفس كل مكلف-و ما ثم إلا مكلف لقوله: "فألهمها فجورها و تقواها"-فدخل الملك بالتقوى في هذه الآية إذ لا نصيب له في الفجور، -و كذلك سائر نفوس ما عدى الانس و الجان، فالانس و الجن ألهموا الفجور و التقوى: "كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ما كان عطاء ربك محظورا"، -(نقول:) فان أراد (الحكيم الترمذي بسؤاله) بدء الوحى في كل صنف صنف، و شخص شخص: فهو الإلهام فإنه لا يخلو عنه موجود، و هو الوحى. - و هذا جواب عن بدء الوحى من حيث الوحى، و من حيث شخص شخص. - "و اللّٰه يقول الحق و هو يهدى السبيل"!
السؤال السادس و العشرون: ما بدء الروح؟
-الجواب:
أهل الطريق يطلقون لفظ"الروح"على معانى مختلفة، فيقولون: "فلان فيه روح"-أي أمر ربانى يحيا به من قام به، يعنى (يحيا به) قلبه. -و يطلقون"الروح"على الذي سئل عنه رسول اللّٰه- ص-. و يطلقون"الروح"و يريدون به الروح الذي ينفخ منه عند كمال تسوية الخلق. و الذي مدار"الطريق"عليه هو الروح الذي يجده أهل اللّٰه عند الانقطاع إليه بالهمم و العبادة، فأكثر ما يقع عنه السؤال منهم غالبا. فيكون قوله (-الحكيم الترمذي) : "ما بدء الروح؟ "- أي ما ابتداء حصوله في قلب العارف؟
(نفس الرحمن و بدء الروح الذي يجده العارفون)
فنقول: إن بدء الروح في نفوس أهله الذين أهلهم اللّٰه لتحصيله، أن نفس الرحمن إذا تحكمت في نفوسهم المجاهدات التي تعطيهم رؤية الأغيار عرية عن رؤية اللّٰه فيها، و أنها حائلة و قاطعة بين اللّٰه و بين هذا العبد، فيكون صاحب هذه المجاهدة صاحب قبض و هم و غم و حجب يريد رفعها، فيهب عليه من نفس الرحمن في باطنه ما يؤديه إلى رؤية وجه الحق في هذه القواطع على زعمه، و في هذه الحجب و الأشياء التي يجاهد نفسه في قطع ما يتعرض له منها في طريقه، فيريه ذلك النفس وجه الحق في كل شيء، و هو العين الحافظ عليه وجودها، فلم ير (صاحب المجاهدة) شيئ