فان قلت: "هذا الذي بدىء به رسول اللّٰه-ص -من أين تقول إنه بدء الوحى؟ "-قلنا: لا شك و لا خفاء عند المؤمنين و الأولياء أن محمدا-ص-خصه اللّٰه بالكمال في كل فضيلة. فمن ذلك أن خصه بكمال الوحى، و هو استيفاء أنواعه و ضروبه. و هو قوله-ع-: "أوتيت جوامع الكلم"و بعث عامة. فما بقي ضرب من الوحى إلا و قد نزل عليه به. فلما كان بهذه المثابة، و بدىء-ص-بالرؤيا في وحيه ستة أشهر، -علمن
أن بدء الوحى الرؤيا، و أنها جزء من ستة و أربعين جزءا من النبوة"لكونها ستة أشهر. و كانت نبوته ثلاثا و عشرين سنة فستة أشهر جزء من ستة و أربعين. -و لا يلزم أن تكون (الرؤيا) لكل نبى، فقد يوحى لنبي لا من بدء الوحى الذي هو الرؤيا، بل بضرب آخر من الوحى.
فلما بدىء بالرؤيا-ص-قلنا: الرؤيا بدء الوحى بلا شك. لأن الكمال الذي وصف به نفسه-ص- في المقام أعطى أن يكون بدء الوحى ما بدىء به رسول اللّٰه-ص-. و كذا ينبغي أن يكون. فان البدء، عندنا، هو ما يناسب الحس أولا، ثم يرتقى إلى الأمور المجردة الخارجة عن الحس. فلم تكن. (بداية
الوحى) إلا الرؤيا، نوما كان أو يقظة. -و الوحى، هنا، تشريع الشرائع من كونه نبيا أو رسولا، كيف ما كان.
(الإلهام و الوحى)
هذا كله إذا كان سؤاله (أي الحكيم الترمذي) عن الوحى المنزل على البشر. فان كان سؤاله عن بدء الوحى من حيث الوحى، أو عن بدء الوحى في حق كل صنف ممن يوحى إليه، كالملائكة و غير البشر من الجنس الحيواني، مثل قوله: "و أوحى ربك إلى النحل"، و غير الجنس الحيواني، مثل"عرض الأمانة على السماوات و الأرض و الجبال"-فإنه كان (العرض) بوحي، و مثل قوله (-تعالى-) : "و أوحى في كل سماء أمرها"،