اعلم أن علم"البدء"علم عزيز فإنه غير مقيد، و أقرب ما تكون العبارة عنه أن يقال: البدء افتتاح وجود الممكنات على التتالى و المتتابع، لكون الذات الموجدة له اقتضت ذلك من غير تقييد بزمان، إذ الزمان من جملة الممكنات الجسمانية. فلا يعقل إلا ارتباط ممكن بواجب
لذاته: فكان في مقابلة وجود الحق (الواجب لذاته) أعيان ثابتة، موصوفة بالعدم أزلا، و هو الكون الذي لا شيء مع اللّٰه فيه. ألا إن وجوده (-تعالى-) أفاض على هذه الأعيان على حسب ما اقتضته استعداداتها، فتكونت لأعيانها لا له من غير بينية تعقل أو تتوهم. وقعت في تصورها الحيرة من الطريقين:
من طريق الكشف و من طريق الدليل الفكرى. و النطق عما يشهده الكشف بإيضاح معناه يتعذر، فان الأمر غير متخيل، فلا ينقال و لا يدخل في قوالب الألفاظ بأوضح مما ذكرناه.
(البدء كان عن نسبة أمر فيه رائحة جبر)
و سبب عزة ذلك، الجهل بالسبب الأول و هو ذات الحق، و لما كانت (ذات الحق) سببا كانت إلها لمألوه لها، حيث لا يعلم المألوه أنه مالوه. فمن أصحابنا من قال: "إن البدء كان عن نسبة القهر".