ذهنه و وهمه تأليفا لم يسبق إليه في علمه، و إن سبق فلا يبالي، فإنه في ذلك بمنزلة الأول الذي لم يسبقه أحد اليه، كما تفعله الشعراء و الكتاب الفصحاء في اختراع المعاني المبتكرة.
فثم"اختراع"قد سبق إليه، فيتخيل السامع أنه سرقه. فلا ينبغي للمخترع أن ينظر إلى أحد، إلا إلى ما حدث عنده خاصة، إن أراد أن يلتذ و يستمتع بلذة"الاختراع". و مهما نظر المخترع لأمر ما، إلى من سبقه فيه، بعد ما اخترعه، فربما هلك و تفطرت كبده. و أكثر العلماء بالاختراع (هم) البلغاء و المهندسون، و من أصحاب الصنائع، (أكثرهم) النجارون و البناءون.
فهؤلاء، أكثر الناس اختراعا، و أذكاهم فطرة، و أشدهم تصرفا لعقولهم.
فقد صحت حقيقة"الاختراع"لمن استخرج بالفكر ما لم يكن يعلم قبل ذلك، و لا علمه غيره بالقوة، أو بالقوة و الفعل إن كان من العلوم التي غايتها العمل. و الباري-سبحانه-لم يزل عالما بالعالم أزلا، و لم يكن على حالة لم يكن فيها بالعالم غير عالم: فما اخترع (-سبحانه-) في نفسه شيئا لم يكن يعلمه.
فإذ قد ثبت عند العلماء بالله قدم علمه (-تعالى-) ، فقد ثبت كونه"مخترعا"لنا بالفعل. لا أنه اخترع مثالنا في نفسه، الذي هو صورة