ثم بين هذه المقامات مقامات من جنسها تنتهي إلى بضع و مائة مقام، كلها منازل للأولياء. و يتفرع من كل مقام منازل كثيرة، معلومة العدد، يطول الكتاب بإيرادها. و إذا ذكرت الأمهات عرف ذوق صاحبها.
فاما العلم اللدني فمتعلقه الإلهيات، و ما يؤدى إلى تحصيلها من الرحمة الخاصة. -و أما علم النور فظهر سلطانه في الملإ الأعلى، قبل وجود آدم بالاف من السنين من أيام الرب. -و أما علم الجمع و التفرقة فهو البحر المحيط الذي اللوح المحفوظ جزء منه، و منه يستفيد العقل الأول، و جميع الملإ الأعلى منه يستمدون. و ما ناله أحد من الأمم، سوى أولياء هذه الأمة، و تتنوع تجلياته في صدورهم على ستة آلاف نوع و مئين.
فمن الأولياء من حصل جميع هذه الأنواع كأبي يزيد البسطامي و سهل بن عبد اللّٰه، و منهم من حصل بعضها. و قد كان للأولياء في سائر الأمم من هذه العلوم نفثات روح في روع. و ما كمل (هذا العلم) إلا لهذه الأمة تشريفا لهم و عناية بهم، لمكانة نبيهم سيدنا محمد-ص-.
و فيه (-علم الجمع و التفرقة) من خفايا العلوم، التي هي بمنزلة الأصول، ثلاثة علوم: علم يتعلق بالالهيات، و علم يتعلق بالأرواح العلوية، و علم يتعلق بالمولدات الطبيعية. فما يتعلق منه بالالهيات (هو) على قدم واحدة لا يتغير، و إن تغيرت تعلقاته. و الذي يتعلق منه بالأرواح العلوية فيتنوع من غير استحالة. و الذي يتعلق بالمولدات الطبيعية،
يتنوع و يستحيل باستحالاتها. و هو المعبر عنه ب"أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئا"-فان المواد التي حصل له منها هذا العلم استحالت، فالتحق العلم بها بحكم التبعية.
(طبقات الأولياء في أصول علوم الجمع و التفرقة)