و هم على طبقتين ذكرهم اللّٰه: و هم"الحافظون فروجهم"-فعين و خصص، و"الحافظون لحدود اللّٰه"-فعمم. و قال في الحافظين لحدود اللّٰه: "و بشر الصابرين"على ذلك. و هم الذين حبسوا نفوسهم عند الحدود، و لم يتعدوه
مطلقا. و قال في الحافظين فروجهم: "أعد اللّٰه لهم مغفرة"أي سترا، لأن الفرج عورة تطلب الستر. فهو إنباء عن حقيقة. -قال تعالى: قَدْ أَنْزَلْنٰا عَلَيْكُمْ لِبٰاساً يُوٰارِي سَوْآتِكُمْ -فيسترها غيرة، و فيها قال: "و لباس التقوى". و الوقاية ستر، لأنه يتقى بها ما ينبغي أن يتقى منه. فجعل التقوى لباسا: ينبه أن ذلك ستر، و الستر الغفر. و العورة هي المائلة، يريد المائلة إلى الحق عن نفسها و رؤية شهود وجودها. فامر (الحق) بستر ذلك من أجل الأدب الإلهي لما ينسب إليها من المذام، و جعلها من الأسرار المكتومة المستورة. أ لا ترى النكاح يسمى"سرا"؟ قال اللّٰه تعالى:
لاٰ تُوٰاعِدُوهُنَّ سِرًّا -و هذا كله يؤذن بالستر. فمن صبر على حفظ الحدود و سترها، فان اللّٰه يستره بما تطلبه هذه الحقيقة.
(الحفظ حفظان و أهله طبقتان)
و اعلم أن الحفظ حفظان، و أهله طبقتان. و قد يجتمع الحفظان في شخص واحد، و قد تنفرد طبقة واحدة بحفظ واحد. فلهذا فصل اللّٰه بينهما: فأطلق في حق طائفة، و قيد في حق أخرى. ثم إن الذين أطلق في حقهم الحفظ لحدود اللّٰه، هم على طبقتين. فمنهم من عرف"الحدود الذاتية" فوقف عندها. و ذلك (هو) العالم، الحكيم، المشاهد، المكاشف، صاحب العين السليمة! و صاحب هذا المقام قد لا يكون صاحب طريقة معينة، لأن "الانسانية"تطلبها. -و منهم من عرف"الحدود الرسمية"و لم يعلم"الحدود الذاتية". و هم أرباب المؤمنين. و منهم من عرف"الحدود الرسمية و الذاتية" و هم الأنبياء و الرسل، و من"دعا إلى اللّٰه على بصيرة"من أتباع الرسول-