عنه بالليل، لم يصح هنالك الإمساك. فان إمساك النفس و الجوارح إنما هو في المنهيات، و هي في عالم الشهادة. فان عالم الغيب أمر بلا نهى، و لهذا سموا عالم الأمر. و ذلك لأن عالم الغيب عقل مجرد، لا شهوة لهم، فلا نهى عندهم في مقام التكليف. فهم كما أثنى اللّٰه عليهم في كتابه العزيز:
لاٰ يَعْصُونَ اَللّٰهَ مٰا أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مٰا يُؤْمَرُونَ -و لم يذكر لهم نهى عن شيء، لأن حقائقهم لا تقتضيه.
فإذا صام الإنسان و انتقل من بشريته إلى عقله، فقد كمل نهاره، و فارقه الإمساك لمفارقة النهى، و التحق بعالم الأمر بعقله. فهو عقل محض، لا شهوة عنده. أ لا ترى إلى قوله-ص-في حقه:
"إذا أقبل الليل من هاهنا، و أدبر النهار من هاهنا، و غربت الشمس، فقد أفطر الصائم"-يقول: "و غربت الشمس عن عالم الشهادة، و طلعت على عالم عقله، فقد أفطر الصائم"-أي لم يمتنع فارتفع عنه
التحجير لأن عقله لا يتغذى بما أمره الحق بالإمساك عنه، و هو حظ طبعه.