الاستحقاق. فإنهم يرون أن اللّٰه ما خلق الخلق أجمعه إلا لعبادته، و لهذا قال (-سبحانه-) : وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّٰ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ و يسجد له. و كان إيصال بعض الخلق للخلق بحكم التبعية، لا بالقصد الأول، و إن لم يكن هنالك ما يقال فيه: قصد أول و لا ثان، و لكن العبارات من أجل إبراز الحقائق تعطى ذلك.
و لله عباد من"المتصدقين"أقامهم الحق بين هاتين الطبقتين.
فهم ينظرون، في حين كونهم متصدقين، الاستحقاق لبقاء عين من تصدق عليه، ليصح منه ما خلق له من التسبيح لربه و الثناء عليه. و لكن لا من حيث إنه آكل مثلا و لا شارب، في حق من يكون بقاؤه بالأكل و الشرب. فذلك لا يكون باستحقاق. و إنما الاستحقاق ما به بقاؤه، و أسبابه كثيرة. ثم تنظر هذه الطبقة الثالثة، المتولدة منهما (-من الطبقة الأولى و الثانية) ، من عين آخر معا: و هو أن تنظر إلى الحق من حيث ما تقتضيه
ذاته، فيرتفع عندها الاختيار. و ترى أن المظاهر الإلهية هي المسبحة، فلا يسبح اللّٰه إلا اللّٰه، و لا يحمده إلا هو. فهو ثناء ذاتى لا ثناء افتقار لاكتساب ثناء. فهؤلاء أحق باسم"المتصدقين"من غيرهم، حيث أثبتوا أعيانهم و نفوا أحكامهم. -و اللّٰه الهادي!
(الأولياء الصائمون)
و من الأولياء أيضا"الصائمون"و"الصائمات"-رضى اللّٰه عنهم-. تولاهم اللّٰه بالإمساك، الذي يورثهم الرفعة عند اللّٰه تعالى، عن كل شيء أمرهم الحق أن يمسكوا عنه أنفسهم و جوارحهم، فمنه ما هو واجب و مندوب. -و أما قوله-تعالى-لهذه الطائفة: ثُمَّ أَتِمُّوا اَلصِّيٰامَ إِلَى اَللَّيْلِ - تنبيها على غاية توقيت الإمساك في عالم الشهادة، و هو النهار. و"الليل" ضرب مثال محقق للغيب. فإذا وصلوا إلى رتبة مصاحبة عالم الغيب. المعبر