وَ اَلْقٰانِتِينَ وَ اَلْقٰانِتٰاتِ . و قال تعالى: (. . .) أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهٰا عِبٰادِيَ اَلصّٰالِحُونَ - و ليس يرث الصالح من الأرض إلا إتيانها لله طائعة مع السماء، حين قال (اللّٰه) لها و للأرض: (ائتيا طوعا أو كرها! قالتا: "أتينا طائعين") .
فورث العباد منها الطاعة لله، و هي المعبر عنها بالقنوت. إذ الساجدون لله على قسمين: منهم من يسجد طوعا، و منهم من يسجد كرها. فالقانت يسجد طوعا. و تصحيح طاعتهم لله و قنوتهم (هو) أن يكون الحق لهم بهذه المثابة للموازنة، كما قال. فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ و"من تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا". فالحق مع العبد على قدر ما هو العبد مع الحق (و زيادة) .
وقفت يوما أنا و عبد صالح معى يقال له: الحاج مدور يوسف الأستجى-كان من الأميين المنقطعين إلى اللّٰه، المنورة بصائرهم-على سائل يقول: "من يعطيني شيئا لوجه اللّٰه؟ "ففتح رجل صرة دراهم كانت عنده، و جعل ينتقى له من بين الدراهم قطعة صغيرة يدفعها السائل. فوجد ثمن درهم
فأعطاه إياه. و هذا العبد الصالح ينظر إليه. فقال لي: "يا فلان! تدري على ما يفتش هذا المعطى؟ "قلت: لا! قال: "على قدره عند اللّٰه، لأنه أعطى السائل لوجه اللّٰه، فعلى قدر ما أعطى لوجهه، ذلك قيمته عند ربه! " و لكن من شرط القانت عندنا أنه يطيع اللّٰه من حيث ما هو عبد اللّٰه، لا من حيث ما وعده اللّٰه به من الأجر و الثواب لمن أطاعه. و أما الأجر الذي يحصل للقانت، فذلك من حيث العمل الذي يطلبه، لا من حيث الحال الذي أوجب له القنوت. قال اللّٰه تعالى في القانتات من نساء رسول اللّٰه-ص-: وَ مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ تَعْمَلْ صٰالِحاً نُؤْتِهٰا أَجْرَهٰا مَرَّتَيْنِ -فالأجر هنا للعمل الصالح الذي علمته، و كان مضاعفا في مقابلة قوله-تعالى-في حقهن: يٰا نِسٰاءَ اَلنَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفٰاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضٰاعَفْ لَهَا اَلْعَذٰابُ ضِعْفَيْنِ -لمكانة رسول اللّٰه-ص-
و لفعل الفاحشة. كذلك ضوعف الأجر: للعمل الصالح و مكانة رسول اللّٰه-ص-. و بقي"القنوت"معرى عن الأجر فإنه أعظم من الأجر، فإنه ليس بتكليف و إنما الحقيقة تطلبه. و هو حال يستصحب العبد في الدنيا و الآخرة، و لهذا قال (تعالى) : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ إِلاّٰ آتِي اَلرَّحْمٰنِ عَبْداً -يعنى يوم القيامة.