رجوعه إلى الخلق. ". -و هذا هو حال الوارث للنبي-ص- فإنه كان يخلو بغار حراء، ينقطع إلى اللّٰه فيه، و يترك بيته و أهله، و يفر إلى ربه، حتى فجئه الحق ثم بعثه اللّٰه رسولا مرشدا إلى عباده. فهذه حالات ثلاث ورثه فيها من اعتنى اللّٰه به من أمته. و مثل هذا يسمى"وارثا".
فالوارث الكامل من ورثه (-ص-) علما و عملا و حالا.
فاما قوله-تعالى-في"الوارث المصطفى": "إنه ظالم لنفسه"- يريد حال أبى الدرداء و أمثاله، من الرجال الذين ظلموا أنفسهم لأنفسهم- أي من أجل أنفسهم-حتى يسعدوها في الآخرة. و ذلك أن رسول اللّٰه- ص-قال: "إن لنفسك عليك حقا و لعينك عليك حقا"-فإذا صام الإنسان دائما، و سهر ليله و لم ينم، فقد ظلم نفسه في حقها، و عينه
في حقها. و ذلك الظلم لها من أجلها. و لهذا قال (تعالى) : "ظالم لنفسه"- فإنه أراد بها العزائم و ارتكاب الأشد، لما عرف منها و من جنوحها إلى الرخص و البطالة. و جاءت السنة بالأمرين لأجل الضعفاء. فلم يرد اللّٰه تعالى بقوله:
"ظالم لنفسه"الظلم المذموم في الشرع، فان ذلك ليس بمصطفى.
و أما الصنف الثاني من ورثة الكتاب فهو"المقتصد"، و هو الذي يعطى نفسه حقها من راحة الدنيا، ليستعين بذلك على ما يحملها عليه من خدمة ربها، في قيامه بين الراحة و أعمال البر. و هو حال بين حالين: بين العزيمة و الرخصة. ففي قيام الليل يسمى"المقتصد"متهجدا، لأنه يقوم و ينام، و على مثل هذا تجرى أفعاله.