بما ليس لي: الذلة و الافتقار"-فله الغنى و العزة، من حيث ذاته واجبة، و لنا الذلة و الافتقار، من حيث ذاتنا واجب. هذا هو الوجوب الذاتي. - و أما الوجوب بالموجب. فإنه أوجب علينا ابتداء أمورا لم نوجبها على أنفسنا، فيكون قد أوجب علينا بايجابنا إياها على أنفسنا: كالنذر. فأوجب على نفسه أن يخلق الخلق ابتداء، أوجبه عليه طلب كمال العلم به و كمال الوجود.
فهما اللذان طلبا منه خلق الخلق، لما كان له الكمال. و لما رأى (سبحانه) لكماله حكما لم يكن لكماله تعلق، فطلب فأوجب بطلبه عليه أن توجد له"صورة"يرى نفسه فيها، لأن الشيء لا يرى نفسه في نفسه عند المحققين، و إنما يرى نفسه في غيره بنفسه. و لذلك أوجد اللّٰه
المرآة و الأجسام الصقيلة لنرى فيها صورنا. فكل أمر ترى فيه صورتك، فتلك مرآة لك. قال النبي-ص-: "المؤمن مرآة أخيه"، -فخلق (اللّٰه) الخلق، فكمل الوجود به، و كمل العلم به. فعاين (سبحانه) كمال الحق نفسه في كمال الوجود. -فهذا واجب بموجب. فوقع الشبه بالوجوب بالموجب. كما وقع فيما وقع من الأحكام.
(الشبه بين الحق و العبد من جهة الندب و الكراهة)
و حكم الندب و الكراهة يلحقان بالمباح، و إن كان بينهما درجة. فالمندوب هو ما يتعلق بفاعله الحمد، و لا يذم بترك ذلك الفعل. و شبهه في الجناب الإلهي ما يعطيه (تعالى) من النعم لعباده، زائدا على ما تدعو إليه الحاجة. فيحمد (سبحانه) على ذلك، و إن لم يفعله فلا يتعلق به ذم، لأن الحاجة لا تطلبه، إذ قد استوفت حقها. فهذا شبه المندوب. -و أما شبه المكروه، فالله يقول عن نفسه: "إنه يكره"فإنه قال: "و أكره مساءته".
و قال: وَ لاٰ يَرْضىٰ لِعِبٰادِهِ اَلْكُفْرَ . و الكراهة المشروعة هي ما يحمد تاركه