(نسبة الفعل إلى اللّٰه و إلى الإنسان)
قوله-تعالى-: "أحصرتم"-هو من"أحصر"لا من "حصر"يقال: فعل به كذا، إذا أوقع به الفعل، فإذا عرضه لوقوع ذلك الفعل، يقال فيه: أفعل. و مثاله: ضرب زيد عمرا، إذا أوقع به الضرب، و أضرب زيد عمرا، إذا جعله يضرب غيره. و في اللسان: أحصره المرض، و حصره العدو-بغير ألف. فهو في المرض من الفعل الرباعي، و في العدو من الفعل الثلاثي. -فالعبد لما كان محل ظهور الأفعال الإلهية فيه-و ما تشاهد في الحس إلا منه، و لا يمكن أن يكون إلا كذلك-نسب اللّٰه الفعل للعبد، و نسب الناس الفعل المخلوق، و إن كان"أصاره
الحق لذلك ف(صار) . فنسبة"صار"تجعل الفعل للعبد، و نسبة "أصار"تجعل الفعل لله.
فمن راعى (من العلماء) "أصار"لم يوجب عليه (-المحصر) الهدى لأن الأصل عدم الفعل من العبد. و من راعى"أصاره الحق فصار" أوجب عليه الهدى. و لهذا فصلنا نحن في ذلك فقلنا: "إن قال محلى حيث يحبسني"فقد تبرأ العبد من حكم الحصر: فلا هدى عليه، و إن لم يقل كان الهدى عليه عقوبة للترك. فالفعل من المخلوق للعبد: لظهور الفعل منه بالاختيار و القصد و المباشرة. حقيقة مشهودة للبصر. و الفعل من المخلوق (منسوب) للحق: من كون الحق"أصاره"إلى ذلك، فكان (العبد) له (-تعالى-) كالآلة للفاعل. و الالة هي المباشرة للفعل، و ينسب الفعل
لغير الالة بصرا و عقلا. فيقال: زيد الضارب، و المباشر للضرب، و الذي يقع به الضرب إنما هو السوط لا زيد. هكذا أفعال العباد. فهم للحق كالآلة لزيد النجار، أو الحائك، أو الخائط، أو ما كان. و بهذا القدر تعلق الجزاء و التكليف، لوجود الاختيار من الالة.